فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 122

وهذا تفسير نفسي مادي، يسقط الصلة الروحية بين محمد صلى الله عليه و سلم وربه الذي أيده وثبته بتأييده وكلماته، وينطلق من تصور مادي، هو أن القوة المعنوية التي كان يتمتع بها النبي صلى الله عليه و سلم وجعلته يصمد أمام التحديات الكبرى، ويواصل دعوته بإصرار وثبات بالرغم من شراسة أعدائه، وشدة بطشهم ومكرهم، ترجع إلى شعوره الذاتي، واعتقاده الشخصي في نفسه وأفكاره.

والواقع أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم يتحلى بصفات ذاتية حميدة كالشجاعة والعزم والصبر ورباطة الجأش، ولكن هذه وحدها لا تفسر سر قوته، فهناك جانب آخر من هذا السر مستمد من صلته القوية بربه ووعيه برسالته، والذي يثبت هذا أنه صلى الله عليه و سلم في مواقف الضعف البشري أمام حالات الشدة والابتلاء الشديد، يتوجه إلى ربه بالعبادة والدعاء سائلًا العون والتأييد والنصر، ولو كانت قوته ذاتية أو شعورية، لكان له سلوك آخر غير هذا، وأدعيته صلى الله عليه و سلم كثيرة محفوظة، ولا حاجة إلى الإطالة بذكرها.

والغريب أن يتجاهل الباحثان كل هذا، ويتجاهلان ما كتبه مستشرقون آخرون في سر عظمة النبي صلى الله عليه و سلم ، ويحسن في هذا المقام أن نقدم مقاطع دالة مما كتبوه عن هذه المسألة، قال الشاعر الفرنسي الشهير الفونس لا مارتن، وهو خبير في الدراسات الشرقية الإسلامية:"إذا كانت قوة الصعود والرمي في علم الطبيعة هي المقياس الصحيح لقوة المصدر الذي تصدر عنه الرمية والقذيفة، فإن العمل الذي يحدثه المحدث في علم التاريخ، وسجل الخلود وكتاب الإنسانية، هو المقياس الصحيح لمقدار الوحي وقوة القلب والوجدان والفكرة السامية التي تنفذ إلى مكان بعيد، وتدوم زمنًا طويلًا، وهي لا ريب فكرة قوية صدرت من وجدان قوي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت