فالقرآن الكريم أنزل مصدقًا لما بين يديه من كتب الله تعالى وشاهدًا على ما وقع فيها من تحريف، قال الله عز وجل { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } .
هذه هي مكانة القرآن من التوراة، وليس هناك تضارب في كلامه عنها، وليس من التضارب أن يتحدث القرآن عن فعل اليهود الذين يحرفون الكلم عن مواضعه { وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَريقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم ِبالكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الكِتاَبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . فالتطابق في أصول الدين ثابت بين القرآن والتوراة في صورتها الأصلية لا في صورتها التي آلت إليها بعد الزيادة والتحريف. ولم يكن هنا حرج في موقف الرسول ولا خطأ في الفهم، ولو كان هناك، ولو شيء قليل من هذا، لأشاعه أعداء الإسلام في كل عصر وما أكثرهم، ولا يجوز أن يبقى هذا أمرًا خفيًا حتى تأتي الموسوعة الإسلامية في القرن العشرين فتظهره للناس، ولم يكن قوله تعالى عن اليهود: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِىنَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الكِتَابِ } حيلةً لجأ إليها محمد صلى الله عليه و سلم للخروج من موقف حرج أو للتخلص من سخرية اليهود.
فالمراد بالنصيب في الآية هو الحظ المعين، وحظ اليهود من كتب الله هو التوراة الذي أنزل على موسى عليه السلام وفيها علم وهدى ونور. ولكن اليهود لم ينتفعوا بشيء من ذلك. هذا هو المراد بالآية الكريمة، وليس فيها دليل على ما ذهبت إليه الموسوعة الإسلامية.