نعم إن أساليب الدعوة ووسائل نشرها قد تتغير بتغير الظروف والأحوال، لكن الدعوة في جوهرها ومبادئها لا تتغير، ولا يملك الرسول صلى الله عليه و سلم الحق في إدخال أي تعديل عليها لإرضاء أحد من الناس، أو بتأثير معارضته وعداوته.
ولو استرسلنا مع الموسوعة الإسلامية في مزاعمها، لما وسعنا المجال قبل الانتهاء من قراءة ما كتبته عن السيرة النبوية، لأنها قررت في فقرات أخرى مرت قبل قليل أن محمدًا صلى الله عليه و سلم تبنى عددًا من الشعائر اليهودية في السنة الأولى من الهجرة، وفي السنة الثانية منها تحوّل إلى تبني الشعائر الدينية العربية القديمة.
وبالاسترسال مع هذه الادعاءات والمجازفات، يخيل لقارئ الموسوعة الإسلامية أن هذا النبي لم يكن له مبدأ ثابت ولا هدف قار، ولا تصوّر واضح، ولذلك تراه يتقلب ويغيّر مواقفه وأهداف دعوته بتقلب الأوضاع وتغير الأحوال، ويخيل إليه نتيجة لذلك، أن الإسلام ليس بدين اللَّه القيم وشرعه ومنهاجه الحكيم، وهذا ما أرادت الموسوعة الإسلامية إلقاءه في أوهام الناس بطريق غير مباشر.
وأما ادعاء الموسوعة بأن الإسلام أخذ طابعًا قوميًا بإعلان تحويل القبلة إلى بيت اللَّه الحرام، فهو باطل، فلم يرد في القرآن ولا في الحديث، لا بالإشارة ولا بالنص، أن دعوة الإسلام أخذت في أي وقت أو مرحلة طابعًا قوميًا، وتخلت عن طابعها العالمي الإنساني، بل الذي صرح به القرآن والحديث هو الدعوة إلى نبذ القوميات والعصبيات والانخراط في رابطة الأخوة الإيمانية.
وقد قدمنا في القسم الأول من هذه الدراسة، أدلة كثيرة على عالمية الإسلام، عند مناقشة مزاعم الموسوعة الإسلامية التي ادعت فيها أن النبي صلى الله عليه و سلم كان طوال المرحلة المكية مكلفًا بإنذار قومه فقط، فلا حاجة إلى إعادتها هنا.