فأما الآية الأولى، وهي قوله تعالى: { يَسأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْه أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ والفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ } (2) ، فالمراد بها بيان عذرأصحاب سرية عبد اللَّه بن جحش التي بادر فيها بعض الصحابة إلى قتال كفار مكة بغير إذن من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فلما علم بأنهم قاتلوهم في شهر رجب، قال ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، فندم رجال السرية، وعنفهم إخوانهم المسلمون، واتخذ المشركون مما حدث وسيلة للطعن في المسلمين وفي النبي صلى الله عليه و سلم ، وقالوا: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم.
وفي هذه الغمرة من الندم والعتاب والحرج نزل الوحي من السماء بعذرأصحاب هذه السرية. فالآية تدل على نقيض ما فهمت الموسوعة الإسلامية تمامًا، فليست في شيء من توبيخ الصحابة على رفض الخروج للغزوات في قليل ولا كثير، بل هي في بيان عذر الذين خرجوا وبادروا إلى قتال الكفار، ورفع اللوم والتوبيخ عنهم.
وأما الآية الثانية، وهي قوله تعالى: { وَلَوْلاَ دِفَعُ اللَّهِ الناسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِهَا اسْمُ اللَّهِ كثيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لقويّ عَزِيزٌ } . فلست أدري كيف فهمت منها الموسوعة الإسلامية ما ذهبت إليه، بل هي في سياق الآية التي نزلت بالإذن للمسلمين في قتال الذين ظلموهم من كفار قريش: والآية التي قبلها هي قول اللَّه تعالى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّه.} .