العالم في حقبة لاحقة من التاريخ وهذه الأساسيات تم الحفاظ عليها في العالم، وإلى حد ما، بسبب ما تتسم به شعوب الغرب من روحانية وأخلاقيات واحترام للحريات المدنية الأساسية، وفي واقع الحال كان المجتمع الأوروبي متطورًا من حيث مبادئ المساواة والشرق والأخلاقيات والكرامة عندما شرع النبي عيسى المسيح في نشر رسالته. وإذا كان المجتع الأوروبي يحتضن هذه المبادئ التي من الله بها على البشرية فإن ذلك يرجع إلى أن هذه المبادئ كان قد سبق ورودها في الكتب المقدسة ومواعظ المبشرين والأنبياء.
وعلى ذلك فإن التعاليم التي جاء بها النبي عيسى المسيح والتي تم تدوينها فيما بعد في الأناجيل وأصبحت تمثل أساس الديانة المسيحية جاءت إلى عالم مهيأ لاستقبالها أو بمعنى آخر يمكن القول بأن بذور تعاليم عيسى النبي بذرت في أرض مهيئة ومعدة لاحتضانها، حيث كان الناس في الغرب بصفة خاصة مهيئين سياسيًا واجتماعيًا وروحيًا لاستقبال التعاليم الأساسية للمسيحية.
ولا يمكن تطبيق هذه المقولة على روسيا التي اعتنقت المسيحية عام 988 من التقويم الميلادي أي بعد تسعمائة سنة من قيام هذا الدين حيث كان الشعب الروسي يحيا حياة الرق والعبودية تحت نير حكم اللوردات والسادة المستبدين. وقد ظل تأثير المعتقدات الأساسية وممارسات هذا النظام الاجتماعي باقيًا حتى يومنا هذا. والأمر الذي يستحق التفكير فيه هو قرار الدوق فلاديمير بتفضيل الدين المسيحي على الإسلام. فلقد رفض الإسلام لأنه يحرم الإفراط في الأمور وهذا أمر لم يكن الروسي يحتملونه في الماضي مثلما يحتملوه الآن.
لم تكن المسيحية في روسيا تتضمن نصًا واحدًا يمكن وصفه بنبل الإدراك رغم أن هذه الديانة من وحي السماء، وعلى الرغم من أن الروس المسيحيين كان بينهم معلمون ومفكرون جيدون، فلقد وجد هؤلاء المفكرون أنفسهم ضائعين بين أنقاض معتقدات الفلاحين الروس «الموجيك» غير الدينية حتى وفقًا للمعايير الروسية ذاتها ولم تسفر جهود هؤلاء المعلمين والمفكرين إلا عن الإرهاق الشديد في معركة تحرير الناس من الوهم والوهن والهبوط في بؤرة الانحطاط والتدهور وتحتفل كنيسة الروس الأرثوذوكسي - بدعوى أنها تمثل سلطة الرب في الأرض - بذكرى كفاح هؤلاء المفكرين وفشلهم الذريع باعتبارهم أمثلة من أمثلة الشهداء والقديسين في هذه الحالة وفي كافة أنشطة كنيسة الروس الأرثوذوكسي، تتصرف الكنيسة لتقيم نفسها كسلطة أرضية وهي بذلك تسعى لتنصب نفسها في مقام السيادة الروحية والمادية فوق العبيد البؤساء من الناحيتين الأخلاقية والاقتصادية.