وبالطبع فإن الكنيسة لدى سعيها لتحقيق هذا الغرض تحالفت مع اللوردات والحكام المستبدين في المجتمع الروسي ومن المنظور الفلسفي يمكننا أن نلاحظ إلى أي مدى يتناقض هذا التوجه مع التعاليم الأساسية للمسيحية. وواقع الحال هو أن المذهب الأرثوذكسي في روسيا عمل جاهدًا للإبقاء على مجتمع يقوم على العبودية وهذه هي مواقف الكنيسة التي تنبع من هذا التوجه والتي لا تزال الكنيسة تتبناها بحذافيرها، الأمر الذي جعل الكنيسة غير قادرة على استيعاب فكرة العدالة أو التحرر الحقيقي من العبودية في الأرض وهذه المواقف أيضًا هي التي جعلت الكنيسة لا تستجيب لأي شيء تراه أجنبيًا فهي تتخذ موقف المعاداة لأي شيء يضم مفاهيم العدالة والتحرر الحقيقي طالما أن هذه المفاهيم تهدد كيانها.
نشأ المذهبان الكاثوليكي والبروتستانتي نشأة مختلفة في بيئات مختلفة تمامًا من حيث المجتمعات والثقافات الوطنية، ومع ذلك فقد شهد المذهبان معًا تطورًا تاريخيًا شأنهما شأن العالم الغربي من خلال سلسلة من الإخفاقات والمآسي التي كلفتهما الكثير من الدماء والدموع وصاغت مجتمعات تقوم على المبادئ الدينية المتماسكة. ومع ذلك لم تدخل روسيا في هذه التجربة. وبدلًا من ذلك تبنت روسيا أفكارًا من هنا وهناك أسفرت عن مجتمع يمثل مزيجًا ضحلًا وغير متماسك يعتوره القلق في أعماقه.
إن ما ذكرناه عن التراث المسيحي للغرب يفسر بشكل جزئي إطلاق التعبيرات السياسية في الدول الغربية على المواقف الإيجابية تجاه فكرة الحرية والعدالة للشعوب الأخرى، ولقد كانت هناك محركات ودوافع لتأييد العدالة والحرية الفردية وتقرير المصير في أوضاع مثل وضع الشيشان اليوم. كما أن ذلك يفسر أيضًا وجود معارضة في الغرب للأفكار الشيطانية التي تمثلها الشيوعية. ومن المسلم به أن هذه الأفكار ولدت في الغرب من حيث أيديولوجيتها وتم إقرارها في بعض الدوائر والأوساط غير أن تجسيد هذه الأفكار بهذه الصورة البشعة والمارقة أثار معارضة الغرب.
أن أفكار الديمقراطية المزعومة للغرب أصبحت لها جاذبيتها في كثير من دول العالم ولا سيما في الأماكن التي تعاني من كوارث اقتصادية وتقهقر ديني لأن هذه الأفكار تنطوي على شيء من اليقين الديني من واقع تاريخها الذي تعرضنا له بالوصف ولقد حافظت الدول الغربية على هذه الأفكار كأساس للمطالبة بنوع من العدالة والمساواة في الهياكل الاجتماعية والسياسية للمجتمع الإنساني.