الصفحة 84 من 130

وفضلًا عن الجوهر الروحي والثقافي للإسلام ينطوي هذا الدين على أيديولوجية واضحة ومنهج أخلاقي يعني بتنظيم وممارسات حياة البشر، وتجري حاليًا عملية لإفساد هذا الدين من خلال إضافة أفكار أجنبية إليه مستوردة من أديان أخرى وطرق تفكير مصممة لجعله جذابًا في نظر ذوي الأفكار والأفق المادي الضيق، كما يجري استعمال الأجهزة التكنولوجية لصناعة المعلومات الحديثة في هذا الجانب المستوحي من الأفكار الشيطانية للهجوم على الإسلام، ويتمثل الهجوم الرئيسي لهذه الحرب الشاملة ضد الإسلام في الجانب السياسي؛ ذلك لأن محو الإسلام من حياة المسلمين لا يكون ممكنًا إلا إذا تم تغيير مفهوم الحياة البشرية عند الناس، وتحقيقًا لهذه الغاية يتم استخدام مصطلحات مثل الحكومة والحياة الوطنية على نحو يعطي أولوية المطلقة لفكرة الدولة.

والهدف من ذلك محاولة تحويل الدولة إلى غاية في حد ذاتها. بحيث تمثل الدولة بداية ونهاية وجود الإنسان، ونمط حياته وغاياته، وبهذه الطريقة تكون الدولة هي معبودة أولئك الذين أوجدوها وأولئك الذين يخدمونها، وهؤلاء الأخيرون هم الموظفون الحكوميون والفنيون الذين يحلو لهم التفكير في أنفسهم وتقديم أنفسهم على أنهم أفضل البشر في حين أن واقع الأمر هو أنهم هم الأسوء بالقدر الذي يجعلهم مثالًا للشر واللإنسانية.

إذن ما هي العلاقة الحقيقية بين الإسلام والسياسة؟ نأمل أن نتمكن من الإجابة على هذا السؤال قبل أن نسترد الأرض التي فقدناها. فدعنا نحاول إيجاد إجابة دون أن ضيع في خضم التفسيرات المعقدة والمراجع العلمية لهذا المحيط المترامي الأطراف المتمثل في الدراسات الإسلامية، ودعنا نحاول أن نستخدم بدلًا من ذلك قليلًا من الفطرة السليمة والحصافة التي حبانا الله بها.

الإسلام هو سياسة العدل وبراعة الفكر، إنه هو سياسة تقدم البشرية في حياتهم الدنيا وهو سياسة القيم الخالدة، إنه هو القانون الإلهي الخالد والدائم ديمومة الإله الخالق ذاته، ولقد قدم لنا الإسلام قانونًا أخلاقيًا هو أساس ثقافتنا ودعائم حياتنا، فلقد أوضح لنا الإسلام دور العلم والتكنولوجيا والفن في حياة البشر وهدانا إلى نمط السلوك الإنساني والعلاقات على كافة المستويات سواء مع الأفراد أو المنظمات أو الدول وهو باختصار يضم كل هذا في نطاقه وبين جنباته، وإذا بدأنا بمسألة أن الحياة الحديثة لا توجد خارج نطاق الدولة ولا يمكن فهمها خارج هذا النطاق، يصبح من الواضح أن فصل الإسلام عن الدولة هو بمثابة فصله عن جوهر حقيقته، وفي الاتجاه الآخر فإن أي ضغوط تمارس على الإسلام في النطاق الحكومي لا بد وأن تشكل تعقيدًا للحياة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت