فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 258

وهذه المصيبة قد تصيبهم بسبب انكشاف أمرهم في وسط الجماعة المسلمة - يومذاك - حيث يصبحون معرضين للنبذ والمقاطعة والازدراء في الوسط المسلم. فما يطيق المجتمع المسلم أن يرى من بينه ناسا يزعمون أنهم آمنوا بالله وما أنزل , وبالرسول وما أنزل إليه ; ثم يميلون إلى التحاكم لغير شريعة الله ; أو يصدون حين يدعون إلىلتحاكم إليها. . إنما يقبل مثل هذا في مجتمع لا إسلام له ولا إيمان. وكل ما له من الإيمان زعم كزعم هؤلاء ; وكل ما له من الإسلام دعوى وأسماء!

أو قد تصيبهم المصيبة من ظلم يقع بهم ; نتيجة التحاكم إلى غير نظام الله العادل ; ويعودون بالخيبة والندامة من الاحتكام إلى الطاغوت ; في قضية من قضاياهم.

أو قد تصيبهم المصيبة ابتلاء من الله لهم. لعلهم يتفكرون ويهتدون. .

وأياما ما كان سبب المصيبة ; فالنص القرآني , يسأل مستنكرا: فكيف يكون الحال حينئذ! كيف يعودون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم:

(يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا) . . .

إنها حال مخزية. . حين يعودون شاعرين بما فعلوا. . غير قادرين على مواجهة الرسول صلى الله عليه وسلم بحقيقة دوافعهم. وفي الوقت ذاته يحلفون كاذبين: أنهم ما أرادوا بالتحاكم إلى الطاغوت - وقد يكون هنا هو عرف الجاهلية - إلا رغبة في الإحسان والتوفيق! وهي دائما دعوى كل من يحيدون عن الاحتكام إلى منهج الله وشريعته: أنهم يريدون اتقاء الإشكالات والمتاعب والمصاعب , التي تنشأ من الاحتكام إلى شريعة الله! ويريدون التوفيق بين العناصر المختلفة والاتجاهات المختلفة والعقائد المختلفة. . إنها حجة الذين يزعمون الإيمان - وهم غير مؤمنين - وحجة المنافقين الملتوين. . هي هي دائما وفي كل حين!

والله - سبحانه - يكشف عنهم هذا الرداء المستعار. ويخبر رسوله صلى الله عليه وسلم , أنه يعلم حقيقة ما تنطوي عليه جوانحهم. ومع هذا يوجهه إلى أخذهم بالرفق , والنصح لهم بالكف عن هذا الالتواء:

(أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم. فأعرض عنهم وعظهم , وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا) . .

أولئك الذين يخفون حقيقة نواياهم وبواعثهم ; ويحتجون بهذه الحجج , ويعتذرون بهذه المعاذير. والله يعلم خبايا الضمائر ومكنونات الصدور. . ولكن السياسة التي كانت متبعة - في ذلك الوقت - مع المنافقين كانت هي الإغضاء عنهم , وأخذهم بالرفق , واطراد الموعظة والتعليم. .

والتعبير العجيب:

وقل لهم. . في أنفسهم. . قولا بليغًا.

تعبير مصور. . كأنما القول يودع مباشرة في الأنفس , ويستقر مباشرة في القلوب.

وهو يرغبهم في العودة والتوبة والاستقامة والاطمئنان إلى كنف الله وكنف رسوله. . بعد كل ما بدا منهم من الميل إلى الإحتكام إلى الطاغوت ; ومن الصدود عن الرسول صلى الله عليه وسلم حين يدعون إلى التحاكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت