فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 258

وقال بعض العلماء إن الجملة هنا على حالها من الخبرية والمعنى: ليس في الدين - الذي هو تصديق بالقلب، وإذعان في النفس - إكراه وإجبار من الله - تعالى - لأحد، لأن مبني هذا الدين على التمكين والاختيار، وهو مناط الثواب والعقاب، لولا ذلك لما حصل الابتلاء والاختبار، ولبطل الامتحان.

أو المعنى: كما يرى بعضهم - إن من الواجب على العاقل بعد ظهور الآيات البينات على أن الإِيمان بدين الإِسلام حق ورشد. وعلى أن الكفر به غي وضلال، أن يدخل عن طواعية واختيار في دين الإِسلام الذي ارتضاه الله وألا يكره على ذلك بل يختاره بدون قسر أو تردد.

فالجملة الأولى وهي قوله - تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين} : تنفى الإِجبار على الدخول في الدين، لأن هذا الإجبار لا فائدة من ورائه، إذ التدين إذعان قلبي، واتجاه بالنفس والجوارح إلى اله رب العالمين بإرادة حرة مختارة فإذا أكره عليه الإِنسان إزداد كرهًا له ونفورًا منه. فالإِكراه والتدين نقيضان لا يجتمعان، ولا يمكن أن يكون أحدهما ثمرة للآخرة.

والجملة الثانية وهي قوله - تعالى: {قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي} بمثابة العلة لنفي هذا الإكراه على الدخول في الدين، أي قد ظهر الصبح لذي عينين، وانكشف الحق من الباطل، والهدى من الضلال وقامت الأدلة الساطعة على دين الإِسلام هو الدين الحق وغيره من الأديان ضلال وكفران وما دام الأمر كذلك فقد توافرت الأسباب التي تدعو إلى الدخول في دين الإِسلام، ومن كفر به بعد ذلك فليحتمل نتيجة كفره، وسوء عاقبة أمره.

ثم قال - تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت وَيْؤْمِن بالله فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى لاَ انفصام لَهَا} .

الطاغوت: اسم لكل ما يطغى الإِنسان، كالأصنام والأوثان والشيطان وكل رأس في الضلال وكل ما عبد من دون الله. وهو مأخوذ من طغا يطغى - كسعى يسعى - طغيًا وطغيانًا، أو من يطغو طغوا طغوانًا، إذا جاوز الحد وغلا في الكفر وأسرف في المعاصي والفجور.

والعروة: في أصل معناها تطلق على ما يتعلق بالشيء من عراه أي من الجهة التي يجب تعليهقمنها، وتجمع على غرى. والعروة من الدلو والكوز مقبضه. ومن الثوب مدخل زره.

والوثقى: مؤنث الأوثق، وهو الشيء المحكم الموثق. يقال وثق - بالضم - وثاقه أي: قوى وثبت فهو وثيق أي ثابت محكم.

والانفصام: الانكسار، والقصم كسر الشيء وقطعة.

والمعنى: فمن خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة غير الله، وآمن بالله - تعالى - إيمانًا حالصًا صادقًا فقد ثبت أمره واستقام على الطريقة المثلى التي لا انقطاع لها وأمسك من الدين بأقوى سبب وأحكم رباط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت