فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 258

والفاء في قوله: {فَمَنْ يَكْفُر} للتفريع. والسين والتاء في استمسك للتأكيد والطلب، وقوله: {فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى} فيه - كما يقول الزمخشري - تمثيل للمعلوم بالمنظور والاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى بتصوره السامع كأنما ينظر إلأيه بعينه فيحكم اعتقاده والتيقن به، وجملة {لاَ انفصام لَهَا} استئناف مقرر لما قبله أو حال من"العروة"والعامل"استمسك".

ثم ختم - سبحانه الآية بقوله: {والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي سميع الأقوال، وهمسات القلوب، وخلجات النفوس، عليم بما يسره الناس وما يعلنونه، وسيجازيهم بما يستحقون من ثواب أو عقاب

قال القرطبي ما ملخصه: قيل إن هذه الآية منسوخة بقوله - تعالى: {ياأيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين} لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على دين الإِسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا الإِسلام. وقيل إنهاه لسيت بمنسوخة وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة، وأنهم لا يكرهون على الإِسلام إذا أدوا الجزية. . والحجة لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية: أسلمي أيتها العجوز تسلمي، إن الله بعث محمدًا بالحق.

قالت أنا عجوز كبيرة والموت إلى قريب. فقال عمر: اللهم اشهد وتلا: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين} .

والذي تسكن إليه النفس أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، لأن التدين لا يكون مع الإِكراه - كما أشرنا من قبل - ولأن الجهاد ما شرع في الإِسلام لإِجبار الناس على الدخول في الإِسلام إذ لا إسلام مع إجبار، وإنما شرع الجهاد لدفع الظلم ورد العدوان وإعلاء كلمة الله، والرسول صلى الله عليه وسلم ما قاتل العرب ليكرههم على الدخول في الإِسلام وإنما قاتلهم لأنهم بدأوه بالعدواة.

ولأن الروايات في سبب نزول هذه الآية تؤيد أنه لا إكراه في الدين، ومن هذه الروايات ما جاء عن ابن عباس أنه قال: نزلت في رجل من الأنجز من بني سالم بن عوف يققال له الحصين كان له ابنان نصرانيان وكان هو مسلما، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم ألا استكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية فأنزل الله هذه الآية وفي رواية أخرى أنه حاول إكراههما على الدخول في الإِسلام فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الأنصاري: يا رسول الله أيدخل بعض النار وأنا أنظر إليه فنزلة هذه الآية.

ولأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا لم يمكن التوفيق بين الآيتين وهنا يمكن التوفيق بأن نقول: إن الآية التي معنا تنفى إكراه الناس على اعتقاد ما لا يريدون وآية {ياأيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين} جاءت لحض النبي صلى الله عليه وسلم وحض أصحابه على قتال الكفار الذين وقفوا في طريق دعوته، حتى يكفوا عن عدوانهم وتكون كلمة الله هي العليا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت