فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 258

ومرة أخرى نجدنا أمام شرط الإيمان وحد الإسلام. يقرره الله سبحانه بنفسه. ويقسم عليه بذاته. فلا يبقى بعد ذلك قول لقائل في تحديد شرط الإيمان وحد الإسلام , ولا تأويل لمؤول.

اللهم إلا مماحكة لا تستحق الاحترام. . وهي أن هذا القول مرهون بزمان , وموقوف على طائفة من الناس! وهذا قول من لا يدرك من الإسلام شيئا ; ولا يفقه من التعبير القرآني قليلا ولا كثيرا. فهذه حقيقة كلية من حقائق الإسلام ; جاءت في صورة قسم مؤكد ; مطلقة من كل قيد. . وليس هناك مجال للوهم أو الإيهام بأن تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم هو تحكيم شخصه. إنما هو تحكيم شريعته ومنهجه. وإلا لم يبق لشريعة الله وسنة رسوله مكان بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وذلك قول أشد المرتدين ارتدادا على عهد أبى بكر - رضي الله عنه - وهو الذي قاتلهم عليه قتال المرتدين. بل قاتلهم على ما هو دونه بكثير. وهو مجرد عدم الطاعة لله ورسوله , في حكم الزكاة ; وعدم قبول حكم رسول الله فيها , بعد الوفاة!

وإذا كان يكفي لإثبات"الإسلام"أن يتحاكم الناس إلى شريعة الله وحكم رسوله. . فانه لا يكفي في"الإيمان"هذا , ما لم يصحبه الرضى النفسي , والقبول القلبي , وإسلام القلب والجنان , في اطمئنان!

هذا هو الإسلام. . وهذا هو الإيمان. . فلتنظر نفس أين هي من الإسلام ; وأين هي من الإيمان! قبل ادعاء الإسلام وادعاء الإيمان!

(يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر , من الذين قالوا: آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم , ومن الذين هادوا. . سماعون للكذب , سماعون لقوم آخرين لم يأتوك , يحرفون الكلم من بعد مواضعه , يقولون: إن أوتيتم هذا فخذوه , وإن لم تؤتوه فاحذروا. ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا. أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم. لهم في الدنيا خزي , ولهم في الآخره عذاب عظيم. سماعون للكذب , أكالون للسحت. فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم. وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا. وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط. إن الله يحب المقسطين. وكيف يحكمونك - وعندهم التوراه فيها حكم الله - ثم يتولون من بعد ذلك ? وما أولئك بالمؤمنين) . .

هذه الآيات تشي بأنها مما نزل في السنوات الأولى للهجرة ; حيث كان اليهود ما يزالون بالمدينه - أي قبل غزوة الأحزاب على الأقل وقبل التنكيل ببني قريظه إن لم يكن قبل ذلك , أيام أن كان هناك بنو النضير وبنو قينقاع , وأولاهما أجليت بعد أحد والثانيه أجليت قبلها - ففي هذه الفترة كان اليهود يقومون بمناوراتهم هذه ; وكان المنافقون يأرزون إليهم كما تأرز الحيه إلى الجحر! وكان هؤلاء وهؤلاء يسارعون في الكفر ; ولو قال المنافقون بأفواههم: آمنا. . وكان فعلهم هذا يحزن الرسول صلى الله عليه وسلم ويؤذيه. .

والله - سبحانه - يعزي رسوله صلى الله عليه وسلم ويواسيه ; ويهون عليه فعال القوم , ويكشف للجماعه المسلمه حقيقة المسارعين في الكفر من هؤلاء وهؤلاء ; ويوجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المنهج الذي يسلكه معهم حين يأتون إليه متحاكمين ; بعد ما يكشف له عما تآمروا عليه قبل أن يأتوا إليه وما بيتوه: (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر , من الذين قالوا: آمنا , بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم , ومن الذين هادوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت