سماعون للكذب , سماعون لقوم آخرين لم يأتوك. يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون: إن أوتيتم هذا فخذوه , وإن لم تؤتوه فاحذروا. . .)
روي أن هذه الآيات نزلت في قوم من اليهود ارتكبوا جرائم - تختلف الروايات في تحديدها - منها الزنا ومنها السرقه. . وهي من جرائم الحدود في التوراة ; ولكن القوم كانوا قد اصطلحوا على غيرها ; لأنهم لم يريدوا أن يطبقوها على الشرفاء فيهم في مبدأ الأمر. ثم تهاونوا فيها بالقياس إلى الجميع , وأحلوا محلها عقوبات أخرى من عقوبات التعازير [كما صنع الذين يزعمون أنهم مسلمون في هذا الزمان!] . . فلما وقعت منهم هذه الجرائم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تآمروا على أن يستفتوه فيها. . فإذا أفتى لهم بالعقوبات التعزيريه المخففه عملوا بها , وكانت هذه حجه لهم عند الله. . فقد أفتاهم بها رسول!. . وإن حكم فيها بمثل ما عندهم في التوراة لم يأخذوا بحكمه. . فدسوا بعضهم يستفتيه. . ومن هنا حكاية قولهم:
(إن أوتيتم هذا فخذوه , وإن لم تؤتوه فاحذروا) . .
وهكذا بلغ منهم العبث , وبلغ منهم الاستهتار , وبلغ منهم الالتواء أيضًا في التعامل مع الله والتعامل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المبلغ. . وهي صورة تمثل أهل كل كتاب حين يطول عليهم الأمد , فتقسو قلوبهم ; وتبرد فيها حرارة العقيده , وتنطفى ء شعلتها ; ويصبح التفصي من هذه العقيده وشرائعها وتكاليفها هو الهدف الذي يبحث له عن الوسائل ; ويبحث له عن"الفتاوي"لعلها تجد مخرجًا وحيله ; أليس الشأن كذلك اليوم بين الذين يقولون: إنهم مسلمون: (من الذين قالوا: آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم) !
أليسوا يتلمسون الفتوى للاحتيال على الدين لا لتنفيذ الدين ? أليسوا يتمسحون بالدين احيانًا لكي يقر لهم أهواءهم ويوقع بالموافقه عليها! فأما إن قال الدين كلمة الحق وحكم الحق فلا حاجة بهم إليه. . (يقولون: إن أوتيتم هذا فخذوه ; وإن لم تؤتوه فاحذروا) ! إنه الحال نفسه. ولعله لهذا كان الله - سبحانه _يقص قصة بني إسرائيل بهذا الإسهاب وهذا التفصيل , لتحذر منها أجيال"المسلمين"وينتبه الواعون منها لمزالق الطريق.
والله سبحانه - يقول لرسوله في شأن هؤلاء المسارعين بالكفر , وفي شأن هؤلاء المتآمرين المبيتين لهذه الألاعيب: لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر. فهم يسلكون سبيل الفتنه , وهم واقعون فيها , وليس لك من الأمر شيء , وما أنت بمستطيع أن تدفع عنهم الفتنه وقد سلكوا طريقها ولجوا فيها: (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا) . .
وهؤلاء دنست قلوبهم , فلم يرد الله أن يطهرها , وأصحابها يلجون في الدنس: (أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم) . .
وسيجزيهم بالخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخره: (لهم في الدنيا خزي , ولهم في الآخرة عذاب عظيم) . .
فلا عليك منهم , ولا يحزنك كفرهم , ولا تحفل بأمرهم. فهو أمر مقضي فيه. .