فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 258

بِمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ الدُّسُومَاتِ لَجُوِّزَ بَيْعَهُ كَالدُّسُومَاتِ النَّجِسَةِ , وَلَكِنَّ الدَّبْغَ إصْلَاحٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَعْصِمُهُ عَنْ النَّتْنِ , وَالْفَسَادِ , فَكَانَ جَائِزًا شَرْعًا , وَلَا مَعْنَى لِمَا قَالَ إنَّ هَذَا إفْسَادٌ فِي الْحَالِ لِمَا يُلْقَى فِيهِ ; لِأَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِي دَبْغِ الْجِلْدِ , فَإِنَّهُ إفْسَادٌ لِمَا يُجْعَلُ فِيهِ مِنْ الشَّبِّ , وَالْقَرَظِ , وَهَذَا إصْلَاحٌ بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ , وَالْعِبْرَةُ لِلْمَآلِ لَا لِلْحَالِ , فَإِنَّ إلْقَاءَ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ يَكُونُ إتْلَافًا لِلْبَذْرِ فِي الْحَالِ , وَلَكِنَّهُ إصْلَاحٌ بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ , وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ التَّخْلِيلَ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِي الْخَمْرِ عَلَى قَصْدِ تَمَوُّلِ الْخَمْرِ بَلْ هُوَ إتْلَافٌ لِصِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ , وَبَيْنَ تَمَوُّلِ الْخَمْرِ , وَإِتْلَافِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ مُنَافَاةٌ , فَمَا كَانَ الِاقْتِرَابُ مِنْ الْعَيْنِ لِإِتْلَافِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ إلَّا نَظِيرَ الِاقْتِرَابِ مِنْهَا لِإِرَاقَةِ الْعَيْنِ , وَذَلِكَ جَائِزٌ شَرْعًا , وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ تَقْلِيبَ الطِّبَاعِ لَيْسَ إلَى الْعِبَادِ , وَإِنَّمَا إلَيْهِمْ إحْدَاثُ الْمُجَاوَرَةِ , وَلَكِنَّ إحْدَاثَ الْمُجَاوَرَةِ بَيْنَ الْخَلِّ وَالْخَمْرِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَقْوَى عَلَى إتْلَافِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ بِتَحَوُّلِهَا إلَى طَبْعِ الْحِلِّ فِي أَسْرَعِ الْأَوْقَاتِ , فَكَانَ هَذَا أَقْرَبُ إلَى الْجَوَازِ مِنْ الْإِمْسَاكِ , وَإِذَا جَازَ الْإِمْسَاكُ إلَى أَنْ يَتَخَلَّلَ , فَالتَّخْلِيلُ , أَوْلَى بِالْجَوَازِ , وَأَمَّا إذَا أَلْقَى فِيهِ شَيْئًا مِنْ الْحَلَاوَةِ , فَذَلِكَ لَيْسَ بِإِتْلَافٍ لِصِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَبْعِ الْخَمْرِ أَنْ يَصِيرَ حُلْوًا , فَعَرَفْنَا أَنَّ مَعْنَى الشِّدَّةِ , وَالْمَرَارَةِ قَائِمٌ فِيهِ , وَإِنْ كَانَ لَا يَظْهَرُ لِغَلَبَةِ الْحَلَاوَةِ عَلَيْهِ , فَأَمَّا مِنْ طَبْعِ الْخَمْرِ أَنْ يَصِيرَ خَلًّا , فَيَكُونُ التَّخْلِيلُ إتْلَافًا لِصِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ كَمَا بَيَّنَّا , يُوَضِّحُهُ أَنَّ مِنْ وَجْهٍ , فَعَلَيْهِ إحْدَاثُ الْمُجَاوَرَةِ , وَمِنْ وَجْهٍ إتْلَافٌ لِصِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ كَمَا قُلْنَا , فَيُوَفِّرُ حَظَّهُ عَلَيْهِمَا , فَيَقُولُ لِاعْتِبَارِ جَانِبِ إحْدَاثِ الْمُجَاوَرَةِ لَا يَحِلُّ بِإِلْقَاءِ شَيْءٍ مِنْ الْحَلَاوَاتِ فِيهِ , وَلِاعْتِبَارِ جَانِبِ إتْلَافِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ يَحِلُّ التَّخْلِيلُ. فَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ التَّخْلِيلِ , فَالْمُرَادُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ الْخَمْرُ اسْتِعْمَالَ الْخَلِّ بِأَنْ يُؤْتَدَمَ بِهِ , وَيُصْطَبَغَ بِهِ , وَهُوَ نَظِيرُ مَا رُوِيَ {أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام نَهَى عَنْ تَحْلِيلِ الْحَرَامِ , وَتَحْرِيمِ الْحَلَالِ , وَأَنْ تُتَّخَذَ الدَّوَابُّ كَرَاسِيَّ} , وَالْمُرَادُ الِاسْتِعْمَالُ {, وَلَمَّا نَزَلَ قوله تعالى اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ رضي الله عنه مَا عَبَدْنَاهُمْ قَطُّ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَلَيْسَ كَانُوا يَامُرُونَ , وَيَنْهَوْنَ , فَيُطِيعُونَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ , فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: هُوَ ذَاكَ قَدْ فَسَّرَ الِاتِّخَاذَ بِالِاسْتِعْمَالِ , وَفِي حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ ذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ , {أَفَلَا أُخَلِّلُهَا؟ قَالَ نَعَمْ} , وَإِنْ صَحَّ مَا رُوِيَ , فَإِنَّمَا نَهَى عَنْ التَّخْلِيلِ فِي الِابْتِدَاءِ لِلزَّجْرِ عَنْ الْعَادَةِ الْمَالُوفَةِ , فَقَدْ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ الِانْزِجَارُ عَنْ الْعَادَةِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ , فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِإِرَاقَةِ الْخُمُورِ , وَنَهَى عَنْ التَّخْلِيلِ لِذَلِكَ كَمَا أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ عَنْ الْعَادَةِ الْمَالُوفَةِ فِي اقْتِنَاءِ الْكِلَابِ , ثُمَّ كَانَ لَا يَامَنُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعِفُّوا فِي خُمُورِ الْيَتَامَى إذْ لَمْ يَبْقَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ الْخَمْرِ , فَأَمَرَ فِي خُمُورِ الْيَتَامَى أَيْضًا بِالْإِرَاقَةِ لِلزَّجْرِ , وَالْوَاجِبُ عَلَى الْوَصِيِّ الْمَنْعُ مِنْ إفْسَادِ مَالِ الْيَتِيمِ لَا إصْلَاحُ مَا فَسَدَ مِنْهُ. (أَلَا تَرَى) أَنْ شَاةَ الْيَتِيمِ إذَا مَاتَتْ لَا يَجِبُ عَلَى الْوَصِيِّ دَبْغُ جِلْدِهَا , وَإِنْ كَانَ لَوْ فَعَلَهُ جَازَ , فَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّخْلِيلُ , وَإِنْ كَانَ لَوْ فَعَلَهُ كَانَ جَائِزًا إذَا ثَبَتَ جَوَازُ التَّخْلِيلِ , فَكَذَلِكَ جَوَازُ اتِّخَاذِ الْمُرَبَّى مِنْ الْخَمْرِ بِإِلْقَاءِ الْمِلْحِ , وَالسَّمَكِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت