مَاذَا أَصْنَعُ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ عليه الصلاة والسلام: أَرْقِهَا قَالَ: أَفَلَا أُخَلِّلُهَا قَالَ: عليه الصلاة والسلام لَا , فَقَدْ أَمَرَهُ بِالْإِرَاقَةِ. وَلَوْ كَانَ التَّخَلُّلُ جَائِزًا لَأَرْشَدَهُ إلَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِصْلَاحِ فِي حَقِّ الْيَتَامَى , فَلَمَّا سَأَلَهُ عَنْ التَّخَلُّلِ نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ , فَلَوْ كَانَ جَائِزًا لَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُرَخِّصَ فِيهِ فِي خُمُورِ الْيَتَامَى , وَإِذَا ثَبَتَ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ أَنَّ التَّخْلِيلَ حَرَامٌ , فَالْفِعْلُ الْمُحَرَّمُ شَرْعًا لَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِي الْحِلِّ كَذَبْحِ الشَّاةِ فِي غَيْرِ مَذْبَحِهَا ; وَلِأَنَّ الْخَمْرَ عَيْنٌ مُحَرَّمُ الِانْتِفَاعِ بِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ , وَالتَّخْلِيلُ تَصَرُّفٌ فِيهَا عَلَى قَصْدِ التَّمَوُّلِ , فَيَكُونُ حَرَامًا كَالْبَيْعِ , وَالشِّرَاءِ , وَكَمَا لَوْ أَلْقَى فِي الْخَمْرِ شَيْئًا حُلْوًا كَالسُّكَّرِ , وَالْفَانِيذِ حَتَّى صَارَ حُلْوًا , وَهَذَا ; لِأَنَّ نَجَاسَةَ الْعَيْنِ تُوجِبُ الِاجْتِنَابَ , وَفِي التَّخْلِيلِ اقْتِرَابٌ مِنْهُ , وَذَلِكَ ضِدُّ الْمَامُورِ بِهِ نَصًّا فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {, فَاجْتَنِبُوهُ} بِخِلَافِ الْخَمْرِ لِلْإِرَاقَةِ , فَإِنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي الِاجْتِنَابِ عَنْهُ , ثُمَّ مَا يُلْقَى فِي الْخَمْرِ نَجِسٌ بِمُلَاقَاةِ الْخَمْرِ إيَّاهُ , وَمَا يَكُونُ نَجِسًا فِي نَفْسِهِ لَا يُفِيدُ الطَّهَارَةَ فِي غَيْرِهِ , وَعَلَى هَذَا الْحَرْفِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ مَا إذَا أُلْقِيَ فِيهِ شَيْءٌ , وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يُجْعَلْ فِيهِ شَيْءٌ , وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا تَخَلَّلَ بِنَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ تَنْجِيسُ شَيْءٍ بِإِلْقَائِهِ فِيهِ , وَلَا مُبَاشَرَةُ فِعْلٍ حَرَامٍ فِي الْخَمْرِ , فَهُوَ نَظِيرُ الصَّيْدِ إذَا خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ بِنَفْسِهِ حَلَّ اصْطِيَادُهُ. وَلَوْ أَخْرَجَهُ إنْسَانٌ لَمْ يَحِلَّ , وَوَجَبَ رَدُّهُ إلَى الْحَرَمِ وَمَنْ قَتَلَ مُوَرِّثَهُ يُحْرَمُ مِنْ الْمِيرَاثِ بِمُبَاشَرَتِهِ فِعْلًا حَرَامًا بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ بِنَفْسِهِ , وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ مِنْ طَبْعِ الْخَمْرِ أَنْ يَتَخَلَّلَ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ , فَإِذَا تَخَلَّلَتْ , فَقَدْ تَحَوَّلَتْ بِطَبْعِهَا , وَصَارَتْ فِي حُكْمِ شَيْءٍ آخَرَ , فَأَمَّا التَّخْلِيلُ , فَلَيْسَ بِتَقْلِيبٍ لِلْعَيْنِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْعِبَادِ تَقْلِيبُ الطِّبَاعِ , وَإِنَّمَا الَّذِي إلَيْهِمْ إحْدَاثُ الْمُجَاوَرَةِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ , فَيَكُونُ هَذَا تَنْجِيسًا لِمَا يُلْقَى فِي الْخَمْرِ لَا تَقْلِيبًا لِطَبْعِ الْخَمْرِ , وَهُوَ نَظِيرُ الشَّابِّ يَصِيرُ شَيْخًا بِمُضِيِّ الزَّمَانِ , وَبِتَكْلِيفِهِ لَا يَصِيرُ شَيْخًا , فَإِذَا لَمْ يَتَبَدَّلْ طَبْعُهُ بِهَذَا التَّخْلِيلِ بَقِيَ صِفَةُ الْخَمْرِيَّةِ فِيهِ , وَإِنْ كَانَ لَمْ يَطْهُرْ كَمَا إذَا أُلْقِيَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ الْحَلَاوَةِ , وَهَذَا بِخِلَافِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَ , فَإِنَّ نَجَاسَةَ الْجِلْدِ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ الدُّسُومَاتِ النَّجِسَةِ , وَالدَّبْغُ إزَالَةٌ لِتِلْكَ الدُّسُومَةِ , وَإِلَى الْعِبَادِ الْفَصْلُ , وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ , فَكَانَ فِعْلُهُ إصْلَاحًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُمَيَّزُ بِهِ الطَّاهِرُ مِنْ النَّجِسِ , فَأَمَّا نَجَاسَةُ الْخَمْرِ , فَلِعَيْنِهَا لَا لِغَيْرٍ اتَّصَلَ بِهَا , وَإِنَّمَا تَنْعَدِمُ هَذِهِ الصِّفَةُ بِتَحَوُّلِهَا بِطَبْعِهَا , وَلَا أَثَرَ لِلتَّخْلِيلِ فِي ذَلِكَ. وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام قَالَ {: أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ , فَقَدْ طَهُرَ كَالْخَمْرِ يُخَلَّلُ , فَيَحِلُّ} , وَلَا يُقَالُ: قَدْ رُوِيَ كَالْخَمْرِ تُخَلَّلُ , فَحَلَّ ; لِأَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ كَالْخَبَرَيْنِ , فَيُعْمَلُ بِهِمَا , ثُمَّ مَا رَوَيْنَاهُ أَقْرَبُ إلَى الصِّحَّةِ ; لِأَنَّهُ شَبَّهَ دَبْغَ الْجِلْدِ بِهِ , وَالدَّبْغُ يَكُونُ بِصُنْعِ الْعِبَادِ لَا بِطَبْعِهِ , فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ التَّخْلِيلُ الَّذِي يَكُونُ بِصُنْعِ الْعِبَادِ , وَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّ هَذَا صَلَاحٌ لِجَوْهَرٍ فَاسِدٍ , فَيَكُونُ مِنْ الْحِكْمَةِ , وَالشَّرْعِ أَنْ لَا يَنْهَى عَمَّا هُوَ حِكْمَةٌ , وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ الْخَمْرَ جَوْهَرٌ , فَاسِدٌ , فَإِصْلَاحُهُ بِإِزَالَةِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ عَنْهُ , وَالتَّخْلِيلُ إزَالَةٌ لِصِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ , فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إصْلَاحٌ لَهُ , وَهُوَ كَدَبْغِ الْجِلْدِ , فَإِنَّ عَيْنَ الْجِلْدِ نَجِسٌ , وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ