اسْتِيلَاءِ النَّصَارَى عَلَى سَوَاحِلِ الشَّامِ , وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْحَوَادِثِ الَّتِي حَدَثَتْ بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ , وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ - رضي الله عنه - تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ , قَبْلَ بِنَاءِ الْقَاهِرَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ سَنَةٍ ; إذْ الْقَاهِرَةُ بُنِيَتْ حَوْلَ السِّتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ , كَمَا فِي تَارِيخِ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ". وَيُقَالُ: إنَّ ابْتِدَاءَ بِنَائِهَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ , وَأَنَّهُ فِي سَنَةِ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ قَدِمَ"مَعْدُ بْنُ تَمِيمٍ"مِنْ الْمَغْرِبِ وَاسْتَوْطَنَهَا. وَمِمَّا يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الْمُتَفَلْسِفَةَ الَّذِينَ يُعْلَمُ خُرُوجُهُمْ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ كَانُوا مِنْ أَتْبَاعِ مُبَشِّرِ بْنِ فَاتِكٍ أَحَدِ أُمَرَائِهِمْ , وَأَبِي عَلِيٍّ بْنِ الْهَيْثَمِ اللَّذَيْنِ كَانَا فِي دَوْلَةِ الْحَاكِمِ نَازِلَيْنِ قَرِيبًا مِنْ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ. وَابْنُ سِينَا وَابْنُهُ وَأَخُوهُ كَانُوا مِنْ أَتْبَاعِهِمَا: قَالَ ابْنُ سِينَا: وَقَرَات مِنْ الْفَلْسَفَةِ , وَكُنْت أَسْمَعُ أَبِي وَأَخِي يَذْكُرَانِ"الْعَقْلَ""وَالنَّفْسَ", وَكَانَ وُجُودُهُ عَلَى عَهْدِ الْحَاكِمِ , وَقَدْ عَلِمَ النَّاسُ مِنْ سِيرَةِ الْحَاكِمِ مَا عَلِمُوهُ , وَمَا فَعَلَهُ هشتكين الدَّرْزِيّ بِأَمْرِهِ مِنْ دَعْوَةِ النَّاسِ إلَى عِبَادَتِهِ , وَمُقَاتَلَتِهِ أَهْلَ مِصْرَ عَلَى ذَلِكَ , ثُمَّ ذَهَابُهُ إلَى الشَّامِ حَتَّى أَضَلَّ وَادِي التَّيْمِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. وَالزَّنْدَقَةُ وَالنِّفَاقُ فِيهِمْ إلَى الْيَوْمِ , وَعِنْدَهُمْ كُتُبُ الْحَاكِمِ , وَقَدْ أَخَذْتهَا مِنْهُمْ , وَقَرَات مَا فِيهَا مِنْ عِبَادَتِهِمْ الْحَاكِمَ ; وَإِسْقَاطِهِ عَنْهُمْ الصَّلَاةَ , وَالزَّكَاةَ , وَالصِّيَامَ , وَالْحَجَّ , وَتَسْمِيَةِ الْمُسْلِمِينَ الْمُوجِبِينَ لِهَذِهِ الْوَاجِبَاتِ الْمُحَرِّمِينَ لِمَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِالْحَشْوِيَّةِ. إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ النِّفَاقِ الَّتِي لَا تَكَادُ تُحْصَى. وَبِالْجُمْلَةِ"فَعِلْمُ الْبَاطِنِ"الَّذِي يَدَّعُونَ مَضْمُونُهُ الْكُفْرُ بِاَللَّهِ , وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ; بَلْ هُوَ جَامِعٌ لِكُلِّ كُفْرٍ , لَكِنَّهُمْ فِيهِ عَلَى دَرَجَاتٍ فَلَيْسُوا مُسْتَوِينَ فِي الْكُفْرِ ; إذْ هُوَ عِنْدَهُمْ سَبْعُ طَبَقَاتٍ , كُلُّ طَبَقَةٍ يُخَاطِبُونَ بِهَا طَائِفَةً مِنْ النَّاسِ بِحَسَبِ بُعْدِهِمْ مِنْ الدِّينِ وَقُرْبِهِمْ مِنْهُ. وَلَهُمْ أَلْقَابٌ وَتَرْتِيبَاتٌ رَكَّبُوهَا مِنْ مَذْهَبِ الْمَجُوسِ , وَالْفَلَاسِفَةِ , وَالرَّافِضَةِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ:"السَّابِقُ""وَالتَّالِي " جَعَلُوهُمَا بِإِزَاءِ , الْعَقْلِ""وَالنَّفْسِ " كَاَلَّذِي يَذْكُرُهُ الْفَلَاسِفَةُ , وَبِإِزَاءِ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ كَاَلَّذِي يَذْكُرُهُ الْمَجُوسُ. وَهُمْ يَنْتَمُونَ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ , وَيَدَّعُونَ أَنَّهُ هُوَ السَّابِعُ وَيَتَكَلَّمُونَ فِي الْبَاطِنِ. وَالْأَسَاسِ , وَالْحُجَّةِ , وَالْبَابِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ وَصْفُهُمْ. وَمِنْ وَصَايَاهُمْ فِي"النَّامُوسِ الْأَكْبَرِ , وَالْبَلَاغِ الْأَعْظَمِ"أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ"بَابِ التَّشَيُّعِ"وَذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الشِّيعَةَ مِنْ أَجْهَلِ الطَّوَائِفِ , وَأَضْعَفِهَا عَقْلًا وَعِلْمًا , وَأَبْعَدِهَا عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ عِلْمًا وَعَمَلًا , وَلِهَذَا دَخَلَتْ الزَّنَادِقَةُ عَلَى الْإِسْلَامِ مِنْ بَابِ الْمُتَشَيِّعَةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا , كَمَا دَخَلَ الْكُفَّارُ الْمُحَارِبُونَ مَدَائِنَ الْإِسْلَامِ بَغْدَادَ بِمُعَاوَنَةِ الشِّيعَةِ , كَمَا جَرَى لَهُمْ فِي دَوْلَةِ التُّرْك الْكُفَّارِ بِبَغْدَاد وَحَلَبَ وَغَيْرِهِمَا ; بَلْ كَمَا جَرَى بِتَغَيُّرِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ , فَهُمْ يُظْهِرُونَ التَّشَيُّعَ لِمَنْ يَدْعُونَهُ , وَإِذَا اسْتَجَابَ لَهُمْ نَقَلُوهُ إلَى الرَّفْضِ وَالْقَدْحِ فِي الصَّحَابَةِ , فَإِنْ رَأَوْهُ قَابِلًا نَقَلُوهُ إلَى الطَّعْنِ فِي عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ ثُمَّ نَقَلُوهُ إلَى الْقَدْحِ فِي نَبِيِّنَا وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ , وَقَالُوا: إنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَهُمْ بَوَاطِنُ وَأَسْرَارٌ تُخَالِفُ مَا عَلَيْهِ أُمَّتُهُمْ , وَكَانُوا قَوْمًا أَذْكِيَاءَ فُضَلَاءَ قَالُوا بِأَغْرَاضِهِمْ الدُّنْيَوِيَّةِ بِمَا وَضَعُوهُ مِنْ النَّوَامِيسِ الشَّرْعِيَّةِ , ثُمَّ قَدَحُوا فِي الْمَسِيحِ وَنَسَبُوهُ إلَى يُوسُفَ النَّجَّارِ , وَجَعَلُوهُ ضَعِيفَ الرَّايِ حَيْثُ تَمَكَّنَ عَدُوُّهُ مِنْهُ حَتَّى صَلَبَهُ فَيُوَافِقُونَ الْيَهُودَ فِي الْقَدْحِ مِنْ الْمَسِيحِ ; لَكِنْ هُمْ شَرٌّ مِنْ الْيَهُودِ. فَإِنَّهُمْ يَقْدَحُونَ فِي الْأَنْبِيَاءِ. وَأَمَّا مُوسَى وَمُحَمَّدٌ فَيُعَظِّمُونَ أَمْرَهُمَا , لِتَمَكُّنِهِمَا وَقَهْرِ