عَدُوِّهِمَا ; وَيَدَّعُونَ أَنَّهُمَا أَظْهَرَا مَا أَظْهَرَا مِنْ الْكِتَابِ لِذَبِّ الْعَامَّةِ , وَأَنَّ لِذَلِكَ أَسْرَارًا بَاطِنَةً مَنْ عَرَفَهَا صَارَ مِنْ الْكُمَّلِ الْبَالِغِينَ. وَيَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ أَحَلَّ كُلَّ مَا نَشْتَهِيهِ مِنْ الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ , وَأَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِكُلِّ طَرِيقٍ ; وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْنَا شَيْءٌ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْعَامَّةِ: مِنْ صَلَاةٍ , وَزَكَاةٍ وَصِيَامٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ; إذْ الْبَالِغُ عِنْدَهُمْ قَدْ عَرَفَ أَنَّهُ لَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ ; وَلَا ثَوَابَ وَلَا عِقَابَ. وَفِي"إثْبَاتِ وَاجِبِ الْوُجُودِ"الْمُبْدِعِ لِلْعَالَمِ عَلَى قَوْلَيْنِ لِأَئِمَّتِهِمْ تُنْكِرُهُ وَتَزْعُمُ أَنَّ الْمَشَّائِينَ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ فِي نِزَاعٍ إلَّا فِي وَاجِبِ الْوُجُودِ ; وَيَسْتَهِينُونَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَاسْمِهِ حَتَّى يَكْتُبَ أَحَدُهُمْ اسْمَ اللَّهِ وَاسْمَ رَسُولِهِ فِي أَسْفَلِهِ ; وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ كُفْرِهِمْ كَثِيرٌ. وَذَوُو الدَّعْوَةِ الَّتِي كَانَتْ مَشْهُورَةً ; وَالْإِسْمَاعِيلِيَّة الَّذِينَ كَانُوا عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ بِقِلَاعِ الْأَلْمُوتِ وَغَيْرِهَا فِي بِلَادِ خُرَاسَانَ ; وَبِأَرْضِ الْيَمَنِ وَجِبَالِ الشَّامِ ; وَغَيْرِ ذَلِكَ: كَانُوا عَلَى مَذْهَبِ الْعُبَيْدِيِّينَ الْمَسْئُولِ عَنْهُمْ ; وَابْنُ الصَّبَّاحِ الَّذِي كَانَ رَاسُ الْإِسْمَاعِيلِيَّة ; وَكَانَ الْغَزَالِيُّ يُنَاظِرُ أَصْحَابَهُ لَمَّا كَانَ قَدِمَ إلَى مِصْرَ فِي دَوْلَةِ الْمُسْتَنْصِرِ , وَكَانَ أَطْوَلُهُمْ مُدَّةً ; وَتَلَقَّى عَنْهُ أَسْرَارَهُمْ. وَفِي دَوْلَةِ الْمُسْتَنْصِرِ كَانَتْ فِتْنَةُ الْبَسَاسِرِيِّ فِي الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ لَمَّا جَاهَدَ الْبَسَاسِرِيَّ خَارِجًا عَنْ طَاعَةِ الْخَلِيفَةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ الْعَبَّاسِيِّ , وَاتَّفَقَ مَعَ الْمُسْتَنْصِرِ الْعُبَيْدِيِّ وَذَهَبَ يَحْشُرُ إلَى الْعِرَاقِ , وَأَظْهَرُوا فِي بِلَادِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ شِعَارَ الرَّافِضَةِ كَمَا كَانُوا قَدْ أَظْهَرُوهَا بِأَرْضِ مِصْرَ , وَقَتَلُوا طَوَائِفَ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَشُيُوخِهِمْ كَمَا كَانَ سَلَفُهُمْ قَتَلُوا قَبْلَ ذَلِكَ بِالْمَغْرِبِ طَوَائِفَ , وَأَذَّنُوا عَلَى الْمَنَابِرِ:"حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ"حَتَّى جَاءَ التُّرْكُ السَّلَاجِقَةُ"الَّذِينَ كَانُوا مُلُوكَ الْمُسْلِمِينَ فَهَزَمُوهُمْ وَطَرَدُوهُمْ إلَى مِصْرَ , وَكَانَ مِنْ أَوَاخِرِهِمْ"الشَّهِيدُ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ"الَّذِي فَتَحَ أَكْثَرَ الشَّامِ , وَاسْتَنْقَذَهُ مِنْ أَيْدِي النَّصَارَى ; ثُمَّ بَعَثَ عَسْكَرَهُ إلَى مِصْرَ لَمَّا اسْتَنْجَدُوهُ عَلَى الْإِفْرِنْجِ , وَتَكَرَّرَ دُخُولُ الْعَسْكَرِ إلَيْهَا مَعَ صَلَاحِ الدِّينِ الَّذِي فَتَحَ مِصْرَ ; فَأَزَالَ عَنْهَا دَعْوَةَ الْعُبَيْدِيِّينَ مِنْ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ , وَأَظْهَرَ فِيهَا شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ , حَتَّى سَكَنَهَا مِنْ حِينَئِذٍ مَنْ أَظْهَرَ بِهَا دِينَ الْإِسْلَامِ. وَكَانَ فِي أَثْنَاءِ دَوْلَتِهِمْ يَخَافُ السَّاكِنُ بِمِصْرَ أَنْ يَرْوِيَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ , كَمَا حَكَى ذَلِكَ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ الْحَبَّالُ صَاحِبُ عَبْدِ الْغَنِيّ بْنِ سَعِيدٍ , وَامْتَنَعَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ خَوْفًا أَنْ يَقْتُلُوهُ , وَكَانُوا يُنَادُونَ بَيْنَ الْقَصْرَيْنِ: مَنْ لَعَنَ وَسَبَّ , فَلَهُ دِينَارٌ وَإِرْدَبٌّ. وَكَانَ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ عِدَّةُ مَقَاصِيرَ يُلْعَنُ فِيهَا الصَّحَابَةُ ; بَلْ يُقْطِعُهُمْ فِيهَا بِالْكُفْرِ الصَّرِيحِ , وَكَانَ لَهُمْ مَدْرَسَةٌ بِقُرْبِ"الْمَشْهَدِ"الَّذِي بَنَوْهُ وَنَسَبُوهُ إلَى الْحُسَيْنِ وَلَيْسَ , فِيهِ الْحُسَيْنُ , وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ: بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَكَانُوا لَا يُدَرِّسُونَ فِي مَدْرَسَتِهِمْ عُلُومَ الْمُسْلِمِينَ ; بَلْ الْمَنْطِقَ , وَالطَّبِيعَةَ , وَالْإِلَهِيَّ , وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ مَقَالَاتِ الْفَلَاسِفَةِ. وَبَنَوْا أَرْصَادًا عَلَى الْجِبَالِ وَغَيْرِ الْجِبَالِ , يَرْصُدُونَ فِيهَا الْكَوَاكِبَ , يَعْبُدُونَهَا , وَيُسَبِّحُونَهَا , وَيَسْتَنْزِلُونَ رُوحَانِيَّاتِهَا الَّتِي هِيَ شَيَاطِينُ تَتَنَزَّلُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الْكُفَّارِ , كَشَيَاطِينِ الْأَصْنَامِ , وَنَحْوِ ذَلِكَ."وَالْمُعِزُّ بْنُ تَمِيمِ بْنِ مَعْدٍ"أَوَّلُ مَنْ دَخَلَ الْقَاهِرَةَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ , فَصَنَّفَ كَلَامًا مَعْرُوفًا عِنْدَ أَتْبَاعِهِ ; وَلَيْسَ هَذَا"الْمُعِزُّ بْنُ بَادِيسَ"فَإِنَّ ذَاكَ كَانَ مُسْلِمًا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ , وَكَانَ رَجُلًا مِنْ مُلُوكِ الْمَغْرِبِ ; وَهَذَا بَعْدَ ذَاكَ بِمُدَّةٍ. وَلِأَجْلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الزَّنْدَقَةِ وَالْبِدْعَةِ بَقِيَتْ"