العزة بالإثم , فحسبه جهنم ولبئس المهاد. . ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله , والله رؤوف بالعباد). .
هذه اللمسات العجيبة من الريشة المبدعة في رسم ملامح النفوس , تشي بذاتها بأن مصدر هذا القول المعجز ليس مصدرا بشريا على الإطلاق. فاللمسات البشرية لا تستوعب - في لمسات سريعة كهذه - أعمق خصائص النماذج الإنسانية , بهذا الوضوح , وبهذا الشمول.
إن كل كلمة أشبه بخط من خطوط الريشة في رسم الملامح وتحديد السمات. . وسرعان ما ينتفض النموذج المرسوم كائنا حيا , مميز الشخصية. حتى لتكاد تشير بأصبعك إليه , وتفرزه من ملايين الأشخاص , وتقول: هذا هو الذي أراد إليه القرآن!. . إنها عملية خلق أشبه بعملية الخلق التي تخرج كل لحظة من يد الباريء في عالم الأحياء!
هذا المخلوق الذي يتحدث , فيصور لك نفسه خلاصة من الخير , ومن الإخلاص , ومن التجرد , ومن الحب , ومن الترفع , ومن الرغبة في إفاضة الخير والبر والسعادة والطهارة على الناس. . هذا الذي يعجبك حديثه. تعجبك ذلاقة لسانه , وتعجبك نبرة صوته , ويعجبك حديثه عن الخير والبر والصلاح. . (ويشهد الله على ما في قلبه) . . زيادة في التأثير والإيحاء , وتوكيدا للتجرد والإخلاص , وإظهارا للتقوى وخشية الله. . (وهو ألد الخصام) ! تزدحم نفسه باللدد والخصومة , فلا ظل فيها للود والسماحة , ولا موضع فيها للحب والخير , ولا مكان فيها للتجمل والإيثار.
هذا الذي يتناقض ظاهره وباطنه , ويتنافر مظهره ومخبره. . هذا الذي يتقن الكذب والتمويه والدهان. .
حتى إذا جاء دور العمل ظهر المخبوء , وانكشف المستور , وفضح بما فيه من حقيقة الشر والبغي والحقد والفساد:
(وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها , ويهلك الحرث والنسل , والله لا يحب الفساد) . .
وإذا انصرف إلى العمل , كانت وجهته الشر والفساد , في قسوة وجفوة ولدد , تتمثل في إهلاك كل حي من الحرث الذي هو موضع الزرع والإنبات والأثمار , ومن النسل الذي هو امتداد الحياة بالإنسال. . وإهلاك الحياة على هذا النحو كناية عما يعتمل في كيان هذا المخلوق النكد من الحقد والشر والغدر والفساد. . مما كان يستره بذلاقة اللسان , ونعومة الدهان , والتظاهر بالخير والبر والسماحة والصلاح. . (والله لا يحب الفساد) . . ولا يحب المفسدين الذين ينشئون في الأرض الفساد. . والله لا تخفى عليه حقيقة هذا الصنف من الناس ; ولا يجوز عليه الدهان والطلاء الذي قد يجوز على الناس في الحياة الدنيا , فلا يعجبه من هذا الصنف النكد ما يعجب الناس الذين تخدعهم الظواهر وتخفى عليهم السرائر.
ويمضي السياق يوضح معالم الصورة ببعض اللمسات:
(وإذا قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم. فحسبه جهنم ولبئس المهاد) . .