أصبح"عزيز مصر"وهو لقب قد يكون لكبير وزراء مصر. وفي السورة كذلك ما قد يؤخذ منه أنه جلس على عرش مصر - وإن لم يكن ذلك مؤكدًا - وذلك قوله:
(ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدًا وقال: يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًا) . .
وقد يكون العرش الذي رفع عليه أبويه شيئًا آخر غير عرش المملكة المصرية الفرعونية. وعلى أية حال فقد وصل يوسف إلى مكان الحكم والسلطان. ومن ثم نملك أن نتصور الحالة التي يشير إليها الرجل المؤمن. حالة شكهم فيما جاءهم به يوسف من قبل , مع مصانعة يوسف صاحب السلطان وعدم الجهر بتكذيبه وهو في هذا المكان! (حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولًا) . . وكأنما استراحوا لموته , فراحوا يظهرون ارتياحهم في هذه الصورة , ورغبتهم عما جاءهم به من التوحيد الخالص , الذي يبدو مما تكلم به في سجنه مع صاحبي السجن: (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) . . فزعموا أن لن يجيئهم من بعده رسول , لأن هذه كانت رغبتهم. وكثيرًا ما يرغب المرء في شيء ثم يصدق تحققه , لأن تحققه يلبي هذه الرغبة!
والرجل المؤمن يشتد هنا وهو يشير إلى هذا الارتياب والإسراف في التكذيب فيقول:
(كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب) . .
فينذرهم بإضلال الله الذي ينتظر كل مسرف مرتاب في عقيدته وقد جاءته معها البينات.
ثم يشتد في مواجهتهم بمقت الله ومقت المؤمنين لمن يجادل في آيات الله بغير حجة ولا برهان. وهم يفعلون هذا في أبشع صورة. ويندد بالتكبر والتجبر , وينذر بطمس الله لقلوب المتكبرين المتجبرين!
(الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتًا عند الله وعند الذين آمنوا. كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) . .
والتعبير على لسان الرجل المؤمن يكاد يكون طبق الأصل من التعبير المباشر في مطالع السورة. المقت للمجادلين في آيات الله بغير برهان , والإضلال للمتكبرين المتجبرين حتى ما يبقى في قلوبهم موضع للهدى , ولا منفذ للإدراك.
وعلى الرغم من هذه الجولة الضخمة التي أخذ الرجل المؤمن قلوبهم بها ; فقد ظل فرعون في ضلاله , مصرًا على التنكر للحق. ولكنه تظاهر بأنه آخذ في التحقق من دعوى موسى. ويبدو أن منطق الرجل المؤمن وحجته كانت من شدة الوقع بحيث لم يستطع فرعون ومن معه تجاهلها. فاتخذ فرعون لنفسه مهربًا جديدًا:
(وقال فرعون: يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب. أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى. وإني لأظنه كاذبًا. وكذلك زين لفرعون سوء عمله , وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب) . .
يا هامان ابن لي بناء عاليًا لعلي أبلغ به أسباب السماوات , لأنظر وأبحث عن إله موسى هناك (وإني لأظنه كاذبًا) . . هكذا يموه فرعون الطاغية ويحاور ويداور , كي لا يواجه الحق جهرة , ولا يعترف بدعوة