يطرق قلوبهم بإيقاع آخر لعلها تحس وتستيقظ وترتعش وتلين. يطرق قلوبهم بلفتها على مصارع الأحزاب قبلهم. وهي شاهدة ببأس الله في أخذ المكذبين والطغاة:
(وقال الذي آمن: يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب. مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم. وما الله يريد ظلمًا للعباد) . .
ولكل حزب كان يوم. ولكن الرجل المؤمن يجمعها في يوم واحد: (مثل يوم الأحزاب) فهو اليوم الذي يتجلى فيه بأس الله. وهو يوم واحد في طبيعته على تفرق الأحزاب. . (وما الله يريد ظلمًا للعباد) إنما يأخذهم بذنوبهم , ويصلح من حولهم ومن بعدهم بأخذهم بأيام الله.
ثم يطرق على قلوبهم طرقة أخرى , وهو يذكرهم بيوم آخر من أيام الله. يوم القيامة. يوم التنادي:
(ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد. يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم. ومن يضلل الله فما له من هاد) . .
وفي ذلك اليوم ينادي الملائكة الذين يحشرون الناس للموقف. وينادي أصحاب الأعراف على أصحاب الجنة وأصحاب النار. وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار , وأصحاب النار أصحاب الجنة. . فالتنادي واقع في صور شتى. وتسميته (يوم التناد) تلقي عليه ظل التصايح وتناوح الأصوات من هنا ومن هناك , وتصور يوم زحام وخصام. وتتفق كذلك مع قول الرجل المؤمن: (يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم) . . وقد يكون ذلك فرارهم عند هول جهنم , أو محاولتهم الفرار. ولا عاصم يومئذ ولات حين فرار. وصورة الفزع والفرار هي أولى الصور هنا للمستكبرين المتجبرين في الأرض , أصحاب الجاه والسلطان!
(ومن يضلل الله فما له من هاد) . . ولعل فيها إشارة خفية إلى قولة فرعون: (وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) . . وتلميحًا بأن الهدى هدى الله. وأن من أضله الله فلا هادي له. والله يعلم من حال الناس وحقيقتهم من يستحق الهدى ومن يستحق الضلال.
وأخيرًا يذكرهم بموقفهم من يوسف , ومن ذريته كان موسى - عليهما السلام - وكيف وقفوا موقف الشك من رسالته وما جاءهم به من الآيات , فلا يكرروا الموقف من موسى , وهو يصدق ما جاءهم به يوسف , فكانوا منه في شك وارتياب. ويكذب ما جزموا به من أن الله لن يبعث من بعده رسولًا , وها هو ذا موسى يجيء على فترة من يوسف ويكذب هذا المقال:
(ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات , فما زلتم في شك مما جاءكم به , حتى إذا هلك قلتم: لن يبعث الله من بعده رسولًا. كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب. الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم. كبر مقتًا عند الله وعند الذين آمنوا. كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) . .
وهذه هي المرة الوحيدة في القرآن التي يشار فيها إلى رسالة يوسف - عليه السلام - للقوم في مصر. وقد عرفنا من سورة يوسف , أنه كان قد وصل إلى أن يكون على خزائن الأرض , المتصرف فيها. وأنه