ثم يفرض لهم أسوأ الفروض ; ويقف معهم موقف المنصف أمام القضية ; تمشيًا مع أقصى فرض يمكن أن يتخذوه: (وإن يك كاذبًا فعليه كذبه) . . وهو يحمل تبعة عمله , ويلقى جزاءه , ويحتمل جريرته. وليس هذا بمسوغ لهم أن يقتلوه على أية حال!
وهناك الاحتمال الآخر , وهو أن يكون صادقًا. فيحسن الاحتياط لهذا الاحتمال , وعدم التعرض لنتائجه: (وإن يك صادقًا يصبكم بعض الذي يعدكم) . . وإصابتهم ببعض الذي يعدهم هو كذلك أقل احتمال في القضية , فهو لا يطلب إليهم أكثر منه. وهذا منتهى الإنصاف في الجدل والإفحام.
ثم يهددهم من طرف خفي , وهو يقول كلامًا ينطبق على موسى كما ينطبق عليهم: (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) . . فإذا كان موسى فإن الله لا يهديه ولا يوفقه , فدعوه له يلاقي منه جزاءه. واحذروا أن تكونوا أنتم الذين تكذبون على موسى وربه وتسرفون , فيصيبكم هذا المآل!
وحين يصل بهم إلى فعل الله بمن هو مسرف كذاب , يهجم عليهم مخوفًا بعقاب الله , محذرًا من بأسه الذي لا ينجيهم منه ما هم فيه من ملك وسلطان , مذكرًا إياهم بهذه النعمة التي تستحق الشكران لا الكفران:
(يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض. فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا ?) . .
إن الرجل يشعر بما يشعر به القلب المؤمن , من أن بأس الله أقرب ما يكون لأصحاب الملك والسلطان في الأرض ; فهم أحق الناس بأن يحذروه , وأجدر الناس بأن يحسوه ويتقوه , وأن يبيتوا منه على وجل , فهو يتربص بهم في كل لحظة من لحظات الليل والنهار. ومن ثم يذكرهم بما هم فيه من الملك والسلطان , وهو يشير إلى هذا المعنى المستقر في حسه البصير. ثم يجمل نفسه فيهم وهو يذكرهم ببأس الله: (فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا ?) ليشعرهم أن أمرهم يهمه , فهو واحد منهم , ينتظر مصيره معهم ; وهو إذن ناصح لهم مشفق عليهم , لعل هذا أن يجعلهم ينظرون إلى تحذيره باهتمام , ويأخذونه مأخذ البراءة والإخلاص. وهو يحاول أن يشعرهم أن بأس الله إن جاء فلا ناصر منه ولا مجير عليه , وأنهم إزاءه ضعاف ضعاف.
هنا يأخذ فرعون ما يأخذ كل طاغية توجه إليه النصيحة. تأخذه العزة بالإثم. ويرى في النصح الخالص افتياتًا على سلطانه , ونقصًا من نفوذه , ومشاركة له في النفوذ والسلطان:
(قال فرعون: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) . .
إنني لا أقول لكم إلا ما أراه صوابًا , وأعتقده نافعًا. وإنه لهو الصواب والرشد بلا شك ولا جدال! وهل يرى الطغاة إلا الرشد والخير والصواب ?! وهل يسمحون بأن يظن أحد أنهم قد يخطئون ?! وهل يجوز لأحد أن يرى إلى جوار رأيهم رأيًا ?! وإلا فلم كانوا طغاة ?!
ولكن الرجل المؤمن يجد من إيمانه غير هذا ; ويجد أن عليه واجبًا أن يحذر وينصح ويبدي من الرأي ما يراه. ويرى من الواجب عليه أن يقف إلى جوار الحق الذي يعتقده كائنًا ما كان رأي الطغاة. ثم هو