فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 258

فأما موسى - عليه السلام - فالتجأ إلى الركن الركين والحصن الحصين , ولاذ بالجناب الذي يحمي اللائذين , ويجير المستجيرين:

(وقال موسى: إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب) . .

قالها. واطمأن. وسلم أمره إلى المستعلي على كل متكبر , القاهر لكل متجبر , القادر على حماية العائذين به من المستكبرين. وأشار إلى وحدانية الله ربه وربهم لم ينسها أو يتركها أمام التهديد والوعيد. كما أشار إلى عدم الإيمان بيوم الحساب. فما يتكبر متكبر وهو يؤمن بيوم الحساب , وهو يتصور موقفه يومئذ حاسرًا خاشعًا خاضعًا ذليلًا , مجردًا من كل قوة , ما له من حميم ولا شفيع يطاع.

هنا انتدب رجل من آل فرعون , وقع الحق في قلبه , ولكنه كتم إيمانه. انتدب يدفع عن موسى , ويحتال كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28)

لدفع القوم عنه , ويسلك في خطابه لفرعون وملئه مسالك شتى , ويتدسس إلى قلوبهم بالنصيحة ويثير حساسيتها بالتخويف والإقناع:

وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه: أتقتلون رجلًا أن يقول: ربي الله , وقد جاءكم بالبينات من ربكم ? وإن يك كاذبًا فعليه كذبه , وإن يك صادقًا يصبكم بعض الذي يعدكم , إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب. يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض , فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا ? قال فرعون: ما أريكم إلا ما أرى , وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. وقال الذي آمن: يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب. مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم , وما الله يريد ظلمًا للعباد. ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد. يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم , ومن يضلل الله فما له من هاد. ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات ; فما زلتم في شك مما جاءكم به , حتى إذا هلك قلتم: لن يبعث الله من بعده رسولًا. كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب. الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتًا عند الله وعند الذين آمنوا , كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار. .

إنها جولة ضخمة هذه التي جالها الرجل المؤمن مع المتآمرين من فرعون وملئه. وإنه منطق الفطرة المؤمنة في حذر ومهارة وقوة كذلك.

إنه يبدأ بتفظيع ما هم مقدمون عليه: (أتقتلون رجلًا أن يقول: ربي الله) . . فهل هذه الكلمة البريئة المتعلقة باعتقاد قلب , واقتناع نفس , تستحق القتل , ويرد عليها بإزهاق روح ? إنها في هذه الصورة فعلة منكرة بشعة ظاهرة القبح والبشاعة.

ثم يخطو بهم خطوة أخرى. فالذي يقول هذه الكلمة البريئة: ربي الله. . يقولها ومعه حجته , وفي يده برهانه: (وقد جاءكم بالبينات من ربكم) . . يشير إلى تلك الآيات التي عرضها موسى - عليه السلام - ورأوها , وهم - فيما بينهم وبعيدًا عن الجماهير - يصعب أن يماروا فيها!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت