الصفحة 128 من 773

أساس النقد في الموضوع و الأسلوب:

و قد جرى شعراء العرب ينكرون الذين عاشوا في العصر الكلاسيكى، و أقصد به العصر الجاهلى و عصر النبى و الخلفاء الراشدين و العصر الأموى، على طبيعتهم و سليقتهم فلم يتأثروا بشى ء من المؤثرات الخارجية، و ظلوا صورة صادقة للوسط الذى يعيشون فيه بحيث أن الصعوبة التى نقابلها في فهم أشعارهم ترجع أساسا إلى عدم معرفتنا بهذا الوسط، لا إلى ما تشتمل عليه أشعارهم من تشبيهات بعيدة أو استعارات خيالية خافية؛ لأن هذه الأشعار في الحقيقة سليمة التعبير، تفيض على طبيعتها دون أن يفسدها عامل من عوامل التأثير و التعقيد.

و لو رجعنا إلى «العصر الأموى» لوجدنا أن قواعد النقد كانت تبنى على الأفكار و المعانى التى تشتمل عليها المنظومات لا على صياغتها و أسلوبها، و يبدو لنا ذلك واضحا من القصة المروية في الكتاب الممتع الذى اسمة «الفخرى «1» » في التاريخ و خلاصتها أن عبد الملك (الخليفة الأموى الذى حكم من سنة 685 - 705 م- 66 - 86 ه) التفت يوما إلى جلسائه فسألهم: ما تقولون في قول القائل:

أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فوا حربا ممن يهيم بها بعدى

قالوا: «معنى حسن»

قال: «هذا ميت كثير الفضول ... ! ليس هذا معنى جيدا ... »

قالوا: «صدقت»

قال: «فكيف كان ينبغى أن يقول .. ؟»

فقال رجل منهم: كان ينبغى أن يقول:

أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... أو كل بدعد من يهيم بها بعدى

قال عبد الملك: «ما أحسنت ... !!»

قالوا: «فكيف ينبغى أن يكون .. ؟»

قال: «كان ينبغى أن يقول:

(1) المترجم: أنظر ص 114 من كتاب «الفخرى» في «الآداب السلطانية و الدول الإسلامية» طبع طبعة المعارف بمصر سنة 1923.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت