الصفحة 129 من 773

أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فلا صلحت دعد لذى خلة بعدى

قالوا: «أنت يا أمير المؤمنين أشعر الثلاثة ... !!» .

فهذه القصة تدلنا دلالة قاطعة على أن الأمر كله كان وقفا على الأفكار و المعانى لا على الألفاظ و الأساليب.

ابن خلدون و رأيه في الأسلوب:

و الآن ... فلننظر إلى ما قاله أكبر مؤرخى العرب الفيلسوف الشهير «ابن خلدون» (المولود في تونس سنة 1322 م- 722 ه. و المتوفى في القاهرة سنة 1406 م- 809 ه) فهو يقول في الفصل الثامن و الأربعين من مقدمته تحت عنوان «فصل في أن صناعه النظم و النثر إنما هى في الألفاظ لا في المعانى» ما نصه «1» :

«إعلم أن صناعة الكلام نظما و نثرا إنما هى في الألفاظ لا في المعانى، و إنما المعانى تبع لها و هى أصل. فالصانع الذى يحاول ملكة الكلام في النظم و النثر إنما يحاولها في الألفاظ، يحفظ أمثالها من كلام العرب ليكثر استعماله و جريه على لسانه، حتى تستقر له الملكة في لسان مضر، و يتخلص من العجمة التى ربى عليها في جيله، و يفرض نفسه مثل وليد ينشأ في جيل العرب و يلقن لغتهم كما يلقنها الصبى حتى يصير كأنه واحد منهم في لسانهم؛ و ذلك أنا قدمنا أن للسان ملكة من الملكات في النطق يحاول تحصيلها بتكرارها على اللسان حتى تحصل له. و الذى في اللسان و النطق إنما هو الألفاظ، و أما المعانى فهى في الضمائر. و أيضا فالمعانى موجودة عند كل واحد و في طوع كل فكر منها ما يشاء و يرضى، فلا تحتاج إلى صناعة، و تأليف الكلام للعبارة عنها هو المحتاج للصناعة كما قلناه، و هو بمثابه القوالب للمعانى؛ فكما أن الأوانى التى يغترف بها الماء من البحر منها آنية الذهب و الفضة و الصدف و الزجاج و الخزف، و الماء واحد في نفسه، و تختلف الجودة في الأوانى المملوءة بالماء باختلاف جنسها لا باختلاف الماء؛ كذلك جودة اللغة و بلاغتها في الاستعمال تختلف باختلاف طبقات

(1) المترجم: أوردت الأصل نقلا عن مقدمة ابن خلدون طبع بيروت سنة 1900 م، ص 577.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت