فهرس الكتاب
السلطان محمود الغزنوى الذى تولى العرش بعد أبيه «سبكتگين» في سنة 998 م- 388 ه. فقد كانت أبعد شهرة و أقوى مكانة من كل من ذكرناه من الشعراء فيما سبق لنا من قول.
و قد ارتفعت الدولة الغزنوية إلى الأوج في قليل من الزمن بفضل همة «محمود» و حسن قيادته، ثم أسرعت بعد ذلك إلى حضيض الزوال أمام قوة «السلاجقة» المتزايدة. و يرجع أصلها في الحقيقة إلى سنة 962 م- 351 ه حينما أسسها عبد تركى اسمه «الپتگين» من عبيد السامانيين في مدينة «غزنه» في وسط الهضاب الأفغانية المرتفعة. و لكن هذه الدولة لم يتم تكوينها سياسيا إلا بعد أربعة عشر عاما من هذا التاريخ عندما تولاها «سبكتگين» والد «محمود» و كان هو أيضا عبدا لمؤسسها الأول «الپتگين» . و بذلك نجد أن محمودا الذى عرف فيما بعد بألقاب كثيرة من بينها «بطل الإسلام» و «فاتح الهند» و «محطم الأصنام» و «يمين أمير المؤمنين» و «يمين الدولة» لم يكن في الحقيقة إلا إبنا لعبد كان مملوكا لعبد آخر؛ و قد استغل «الفردوسى» هذه الحقيقة في هجائه لمحمود حينما خابت آماله في الحصول على مكافأة جديرة بما لاقاه من نصب و عناء مدة ثلاثين سنة قضاها في نظم ملحمته الخالدة «الشاهنامه» فاستطاع في طرفة عين أن يمحو الشهرة العريضة التى حازها نصير الآداب «محمود الغزنوى» و أن يقلبها إلى أخبث أنواع الشين و الشنار، بحيث إذا جاء «جامى» بعد ذلك بخمسة قرون نجده يقول البيت الآتى مصداقا لهذا المعنى:
گذشت شوكت محمود و در فسانه نماند ... جز اين قدر كه ندانست قدر فردوسى
و معناها:
-لقد مضت شوكة «محمود» و طوتها الأساطير. ... و لم يبق منها إلا أنه لم يعرف للفردوسى قدره الكبير .. !!
و وفقا للنهج الذى أنتهجناه في الجزء الأول من هذا الكتاب لن يفوز منا السلطان «محمود الغزنوى» إلا بإلمامة يسيرة للغاية؛ و سنقصر جل عنايتنا على هذه الدائرة من النشاط الأدبى العلمى الذى ظهر على أيامه، و الذى استطاع محمود- بواسطة التخويف لا الترغيب- أن يجعل مركزه في قصره بحيث كانت ترنو إليه الأبصار