فهرس الكتاب
و فلان و كل واحد منهم قد أصبح نسج وحده و برز في علمه، و من الواجب عليك أن ترسلهم جميعا إلى قصرى حتى يتشرفوا بلقائى، فنحن نرجو أن ننتفع بعلمهم و فنهم، و نرجو أن يحقق لنا أمير خوارزم هذه الرغبة التى أيديناها ... »
ابن سينا يفر من قبضة محمود:
و كان هذا الخطاب على ظاهره معتدل اللهجة، و لكنه في الحقيقة كان مجرد أمر من محمود إلى «مأمون» أن يبعث إليه بمن لديه من رجال العلم و الأدب. و قد فهمه «مأمون» على هذا الوجه، فأرسل يستدعى الرجال الذين وردت اسماؤهم في سطوره، فلما حضروا إليه قال لهم: «إن السلطان محمودا رجل قوى و قد جمع الجيوش الجرارة من خراسان و الهند، و هو يحرص على الاستيلاء على العراق (خوارزم) و لست أملك أن أخالف له أمرا أو أعصى له طلبا فما عساكم تقولون في ذلك .. ؟!» فأبدى ثلاثة من الرجال و هم «البيرونى» و «الخمار» و «العرّاق» رغبتهم في الذهاب إليه، مدفوعين في ذلك بما سمعوه عنه من نخوة و كرم. و لكن «ابن سينا» و «المسيحى» آثرا الرفض و استطاعا بمعونة «مأمون» أن يعملا على الهرب و الفرار. فأما «المسيحى» فقد هلك في عاصفة رملية اجتاحته في الصحراء؛ و أما «ابن سينا» فقد استطاع بعد معاناة كثير من الشدائد أن يصل إلى «ابيورد» ثم ارتحل منها إلى «طوس» ف «نيسابور» حتى وصل في النهاية إلى «جرجان» و كان يتولاها في ذلك الوقت رجل العلم و الأدب «شمس المعالى قابوس بن وشمگير» (المقتول في سنة 1012 م- 403 ه) .
و كان «ابن سينا» أول الرجال الذين طلبهم محمود، فلما علم هذا الأخير بهربه أمر رجاله أن يصوروا صورته، و أن يذيعوها في أنحاء البلاد. و في هذه الأثناء استطاع «ابن سينا» أن يشفى أحد أقارب «قابوس» فاستدعاه هذا الأمير ليعبر له عن إعجابه بحكمته، فلما مثل بين يديه، عرف أنه الرجل الذى يرغب فيه «محمود» و لكنه لم يشأ أن يسلمه إليه و استبقاه لديه مكرما مبجلا، فبقى في خدمته حتى سافر إلى «الرى» و دخل في خدمة «علاء الدولة محمد» حتى أصبح وزيرا له. و قد