الصفحة 141 من 773

تمكن «ابن سينا» طوال هذه الفترة- كما يحدثنا صاحب «چهار مقاله «1» » - من أن يكتب في الساعات المبكرة من الصباح صفحتين يوميا من كتابه الفلسفى العظيم «الشفاء» .

البيرونى و السلطان محمود الغزنوى:

فإذا رجعنا الآن وهلة قصيرة إلى حياة «البيرونى» في القصر الغزنوى كما وصفتها الحكاية الثالثة و العشرون من كتاب «چهار مقاله» فإننا نجد أن السلطان محمودا الغزنوى جلس يوما في مدينته غزنة في قصره الصيفى ذى الأبواب الأربعة، و كان يتوسط حديقته ذات الألف شجرة، فطلب من البيرونى أن يحسب النجوم و يخبره عن الباب الذى سيتخذه مخرجا من القصر، و أذعن «البيرونى» لأمر مولاه، و كتب إجابته على ورقة طواها و وضعها تحت وسادته. عند ذلك أمر السلطان بأن يحدثوا في الحائط ثغرة جديدة فجعلها في هذه المرة مخرجه من القصر، و دعا بالورقة التى كتبها البيرونى فلما قرأها اشتدت دهشته لأن «البيرونى» كان قد كتب فيها العبارات التالية:

«لن يخرج الملك من هذه الأبواب الأربعة، و لكنه سيحدث ثغرة في الحائط الشرقى يدلف منها إلى الخارج» . و كان السلطان محمود يريد أن يهزأ بالبيرونى، فلما وجد إجابته على هذا النحو غضب غضبا شديدا، و أمر رجاله فألقوه من فوق السقف، و لكنهم تلقوه في شبكة نصبوها فوق الأرض، ثم أحضروه إلى الملك ثانية فسأله: «هل استطعت أيضا أن تتنبأ بما حدث لك في هذه المرة ... ؟» فأسرع البيرونى إلى أحد جيوبه و أخرج منه دفترا قد كتب فيه: «اليوم سيلقى بى من مرتفع، و لكنى سأصل الأرض سالما، و لن يصيب جسدى شى ء من السوء .. !!» و كشر الملك عن نابه مرة ثانية، و أمر رجاله فحبسوه في القلعة فبقى في محبسه ستة أشهر حتى استشفع له وزيره «أحمد بن الحسن الميمندى» الذى انتهز فرصة مواتية فقال لمولاه: «إن أبا ريحان البيرونى رجل مسكين حقا، فقد تنبأ مرتين بأمور صادقة، و لكنك بدل أن تخلع عليه الخلع الجميلة قيدته بالقيود و الأغلال الثقيلة .. »

(1) أنظر الحكاية السابعة و الثلاثين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت