فهرس الكتاب
لا تلمنى على ركاكة عقلى ... إذ تيقنت أننى همذانى
و بناء على ذلك نجده في سنة 990 م- 380 ه يغادر بلدته الصغيرة «همدان» و لم يكن له من العمر في ذلك الوقت أكثر من اثنتين و عشرين سنة، و قد يمم وجهه في البداية إلى رجل الآداب و نصيرها «الصاحب اسماعيل بن عباد» . و قد رأينا فيما مضى كيف أخذ «الصاحب» يختبر مقدرته بإعطائه أبياتا فارسية لينقلها على البديهة إلى شعر عربى «1» . ثم قصد «بديع الزمان» بعد ذلك إلى «جرجان» و أخذ وفقا لرواية الثعالبى- يرتاد مجالس «الإسماعيلية» الذين كان عددهم كبيرا في هذا الإقليم، حتى في هذا الوقت المبكر الذى سبق ظهور شيخهم الخطير «الحسن بن الصباح» بما يقرب من قرن من الزمان حين اتخذه مقرا ل «دعوته الجديدة» .
و في سنة 382 ه- 992 م وصل «بديع الزمان» إلى «نيسابور» فأتم هناك كتابة مقاماته، و كانت تبلغ الأربعمائة مقامة كما يقول بذلك الثعالبى، و طاف بعد ذلك بأمهات المدن في «خراسان» و «سجستان» و الإقليم المحيط بغزنه، ثم انتهى به المطاف إلى مدينة «هرات» حيث استقر بها إلى أن أدركته الوفاة.
و كان بديع الزمان يمتاز بذاكرة حادة عجيبة، فكان يسمع القصيدة التى تتألف من خمسين بيتا مرة واحدة، ثم يأخذ في إعادتها دون أن يتلعثم أو يتردد، و كان يتصفح الكتاب المنثور بنظرة عاجلة فيحفظ عن ظهر قلب أربعا أو خمسا من صفحاته.
و لطالما أكثر الباحثون من المقارنة بين «بديع الزمان» و مقلده «الحريرى» و قد عقدوا الأبواب في بيان ميزة كل منهما في هذا الضرب من الإنشاء الذى امتازا به دون غيرهما. و من أجل ذلك لا نرى بنا حاجة إلى معالجة هذا الموضوع مرة أخرى في هذا الكتاب، و نحيل القارى ء المتعمق إلى ما كتب بصدده في مواضع أخرى «2» .
(1) أنظر «يتيمة الدهر» ج 4 ص 167 و منها يبدو أن بديع الزمان كان مغرما بالنقل على البديهة من الفارسية.
(2) أنظر مثلا ما كتبه «پرستون» في مقدمته على ترجمة «مقامات الحريرى» ص 13 - 14 من المقدمة و 13 و 14 من الأصل.