فهرس الكتاب
أخذنا ذلك في الحسبان، فلا أستطيع إلا أن اعتزف بأنى أشعر بأن «الشاهنامه» بها جملة من العيوب الثابتة المحددة. فطولها مبالغ فيه، و قد اقتضاه بالطبيعة نطاق الموضوعات التى تحدثت عنها، و هى تشمل كل التاريخ الخرافى الذى عرفته إيران منذ أقدم الأزمنة إلى الفتح العربى في القرن السابع لميلادى؛ و الشاهنامه كذلك مملة من حيث الوزن الذى صيغت فيه هى و بقية المنظومات الحماسية الفارسية. و ليت الأمر يقتصر على ذلك بل إن التشبيهات الكثيرة التى تتردد فيها تبدو لى مملة مضجرة للغاية؛ فكل بطل فيها هو الأسد الرابض أو الفيل الهائج أو التمساح المائج، و إذا تحرك فهو الدخان المتطاير أو الغبار المتناثر أو الريح الصافر ... !!
و إذا صح أن الأثر الأدبى إذا ترجم فقد ما امتاز به من جمال في الأسلوب و التركيب، و لم يستطع إلا مهرة المترجمين الاحتفاظ بجمال عباراته و مبانيه، فإنه من المسلم به أيضا أنه من اليسر بمكان أن نحتفظ في الترجمة بجمال أفكاره و روعة معانيه.
و من أظهر الأمثلة على ذلك أن «فتزجرالد» استطاع أن ينقل لنا في ترجمة رائعة «رباعيات الخيام» بما اشتملت عليه من جمال و روعة؛ و لكن أمر الشاهنامه على النقيض من ذلك تماما، فهى تصمد في وجه المترجمين جميعا، و تعجزهم عن أية ترجمة مقبولة لها، لأن الروعة الموسيقية التى تطن بها ألفاظها تضيع بالضرورة عند الترجمة تاركة لنا الأفكار التى تشتمل عليها عارية جرداء. «1»
و لست أدعى مطلقا المهارة في قول الشعر، و أنا اعترف أن كثيرا من شعراء الفرس و العرب قد أصابهم شى ء من الغبن بسبب ما نشرت من ترجمات لأشعارهم في هذه الصفحات؛ و لكنى مع ذلك استطيع أن أقطع في اطمئنان بأن قليلا جدا من قرائى الإنجليز الذين سيقرأون القطع المختلفة التى ترجمتها من الشاهنامه في هذا الجزء الحالى من كتابى أو الجزء الذى سبقه، سيترددون في الحكم بأنها دون ما ترجمت من أقوال لشعراء آخرين.
(1) هذه الروعة لا يمكن أن ينكرها كل من استمع للمنشدين المحترفين الذين ينشدون الشاهنامه، و هم الذين يعرفون لدى الفرس باسم «شاهنامه خوان» .