الصفحة 198 من 773

و إذا صحت وجهات النظر هذه التى أبديناها، و هى تخالف المألوف و المعروف فلماذا إذن فازت الشاهنامه بشهرة عريضة و ذاع صيتها ذيوعا عظيما لا مثيل له في إيران و كذلك في جميع البلاد التى يدرسون فيها اللغة الفارسية .. ؟ أما ذيوعها في إيران، فأهم أسبابه أن الفرس يعتزون بها كسجل خالد لعظمتهم القومية التى اتصفوا بها منذ أقدم العصور، و التى أخذت بعد ذلك للأسف في التدهور و الفتور. و قد انتقل رأى الفرس هذا إلى جميع المشتغلين بالفارسية في كافة البلاد الأسيوية و الأوروبية و اعتنقه فيمن اعتنقه المستشرقون الأوروبيون الأوائل، و اعتبروه رأيا صحيحا جديرا بالتصديق و التسليم، و جاء بعدهم جماعة من المستشرقين أسلم رأيا و أكثر تدقيقا، و لكن بعض العوامل الأخرى أثرت فيهم و جعلتهم لا يحيدون عن هذا الرأى لما وجدوه في «الشاهنامه» من دراسة لغوية «فيلولوجية» باعتبارها من أقدم الكتب الفارسية التى عرفت بحرصها الشديد على استبعاد الألفاظ العربية، و لما لمسوه فيها من روح «هلينية» تميل إلى تمجيد العبقرية الآرية و الحط من قدر الشعوب السامية، و لما عرفوه من أهمية كبيرة لمحتوياتها فيما يتعلق بالأساطير و الخرافات الشعبية؛ فإذا أضفنا إلى ذلك كله أن الفردوسى فاز من مواطنيه بشهرة عظيمة بسبب نظمه للشاهنامه وحدها، و علمنا أن رأى هؤلاء هو العماد بغير شك فيما يذهبون إليه، و وجدنا أن هذه الشهرة العريضة ما زالت لا صقة به منذ البداية حتى هذه الأزمنة، لا يعتريها وهن أو تغيير، فإنه من العسير علىّ أن أفصح عن رأيى الشخصى أكثر مما ذكرت. و لكنى في هذه المناسبة أحب أن ألفت نظر المستشرقين الأوروبيين إلى أنه لو صح لنا دائما أن نأخذ برأى المواطنين في شعرائهم فإن «المتنبى «1» » يجب أن يفوز بما فاز به «الفردوسى» تماما من شهرة عريضة وصيت ذائع و لو أن بعضهم قد أنكر عليه ذلك و قسا عليه في حكمه.

و قد ترجمت في الجزء السابق من كتابى هذا جملة من مقطوعات الشاهنامه المتصلة بقصة «اردشير» و بينت فيها كيف كان «الفردوسى» أمينا في متابعة المصادر

(1) كان المتنبى معاصرا للفردوسى تقريبا فقد ولد سنة 905 م- 293 ه و مات مقتولا سنة 965 م- 354 ه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت