الصفحة 256 من 773

البيزنطى. و بذلك بلغت الإمبراطورية السلجوقية من علو الشأن ما لم تبلغه في وقت من أوقات حياتها عامة، و كان من دلائل ذلك أن أصحاب القوارب الذين عبروا ب «ملكشاه» و رجاله إلى الضفة الأخرى من نهر جيحون، دفع لهم «نظام الملك» أجورهم بصكوك مستحقة الدفع في «أنطاكية» حتى يتحققوا بأنفسهم من مدى الاتساع الذى شمله ملك وليّهم. و ركب «ملكشاه» جواده و خاض به مياه البحر الأبيض المتوسط على شاطى ء «اللاذقية» الواقعة على سواحل الشام و شكر ربه على هذا الملك الفسيح الذى أنعم به عليه. و قد كافأ أولياءه بالإقطاعات الواسعة في الشام و آسيا الصغرى، و بلغ جيشه النظامى 000 ر 46 رجل، سجلت أسماؤهم في سجل خاص بديوان الحرب، و تمكن بواسطتهم من أن يمد نفوذه في بلاد التتار و الصين، و أن يستولى على مدينة عدن على البحر الأحمر.

و كان من دأبه أن يشرف على توزيع الصدقات على رعاياه، و كان قريب المنال لكل مظلوم يظن أنه في حاجة إلى ملاقاته و الشكاية له. أما عنايته بالأمور الدينية فيشهد عليها هذه الآبار الكثيرة التى أمر بحفرها على طريق الحاج، ثم اتفاقه مع أمير الحرمين على تخفيف الضرائب التى كان يقتضيها منهم؛ و كان الصيد من أحب هواياته و أشدها سلطانا عليه، و قد أمر رجاله أن يحفظوا سجلا يقيدون به عدد الصيد الذى يظفر به في كل يوم، و قد بلغ في بعض الأيام سبعين غزالا.

و قد رأى صاحب «راحة الصدور «1» » سجلا من هذه السجلات (التى تسمى بالفارسية شكارنامه) كتبه بخط يده الشاعر «أبو طاهر الخاتونى» و هو الشاعر الذى ألف كتابا من أقدم الكتب في تراجم شعراء الفرس و جعله بعنوان «مناقب الشعراء «2» ».

و مع ذلك فإن ابن الأثير يخبرنا أن «ملكشاه» كان يحس بشى ء من الندم و وخز الضمير لإقدامه على قتل مثل هذا العدد الكبير من الكائنات البريئة و المخلوقات الضعيفة، و قد حكى لنا هذا المؤلف «3» إنه «اصطاد مرة صيدا كثيرا، فأمر بعده، فكان عشرة

(1) انظر «راحة الصدور» ورقة 56.

(2) من الكتب المفقودة التى ليست في متناولنا الآن.

(3) انظر تاريخ ابن الأثير ج 10 ص 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت