فهرس الكتاب
و قد بلغ هو و أسرته من علو الشأن ما يذكرنا بما بلغه «البرامكة» في قديم الأزمان، و ربما فاق شأنهم شأن هؤلاء و أربى عليهم، و لكن السبب الأبدى الذى أودى بالبرامكة و غيرهم من كبار الوزراء الذين أخرجتهم إيران و الذى سيودى دائما بكل وزير تنجبه هذه البلاد، و أعنى إثارة حفيظة الملوك عليهم بواسطة خصومهم الحاقدين، كان يضيق الخناق على «نظام الملك» و يعمل على هدمه و تحطيمه. و كانت «تركان خاتون» - زوجة ملكشاه المحبوبة- هى أعدى أعدائه و ألد خصومه، و كانت شديدة التأثير على زوجها، مسموعة الكلمة لديه، و كان مطمعها الوحيد الذى تصبو إليه أن تضمن ولاية العهد لابنها الصغير «محمود» . و كان وزيرها «تاج الملك» يؤيدها في تحقيق هذه الرغبة، بينما كان المعروف عن «نظام الملك» أنه يؤيد الأخ الأكبر «بركيارق» الذى لم يتجاوز في ذلك الوقت الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمره. أما السبب المباشر الذى أدى إلى نكبة «نظام الملك» و أسرته فكان مرجعه إلى السلوك الشائن الذى سلكه واحد من أحفاده كان حاكما على مدينة مرو «1» فنال بالأذى واحدا من الناس، أسرع برفع شكايته إلى ملكشاه. فأرسل السلطان رسالة شديدة اللهجة إلى «نظام الملك» سأله فيها على سبيل التهكم: هل هو يقنع بمنصب الوزارة أو يعتبر نفسه شريكا له في الملك؟! ثم أخبره أن أقرباءه «لا يقنعون بالمناصب العالية في الدولة بل يظهرون كثيرا من التبجح و الرعونة اللذين لا يمكن الإغضاء عنهما. و استاء الوزير العجوز من هذه الكلمات العنيفة التى كالها له «ملكشاه» و أحس بأن مليكه مدين له بكثير مما ناله من خير، فقال في رعونة و غلظه: «إن الذى وضع التاج على رأسك قد وضع القلنسوة على رأسى ... !!» و أضاف إلى ذلك عبارات خشنة أخرى «2» ، نقلها الحاضرون إلى السلطان في كثير من المبالغة و التهويل، فأمر ملكشاه بعزله و توليه «أبى الغنائم تاج الملك» في مكانه «3» ؛ و قد اقترنت هذه الحركة بكثير من التغييرات الوزارية الطائشة فاستبدل «كمال الدين أبو الرضا» ب «سديد الملك أبى المعالى» كما استبدل
(1) هو ابن ابنه «جمال الدين» الذى أمر «ملكشاه» بدس السم له قبل ذلك بعشر سنوات فمات مسموما.
(2) يورد ابن الأثير تفصيلات هذه الحادثة في كثير من الإيضاح (ج 10 ص 76 - 77) و لكنى رويت هنا ما ورد في «راحة الصدور» (ورقة 58) فقد استرعت روايته أنظار جميع الكتاب الذين تناولوا هذه الواقعة بالبحث.
(3) كان «تاج الملك» من أقرب المقربين إلى «تركان خاتون» كما ذكرنا ذلك آنفا.