الصفحة 283 من 773

الأمير من أين أتى .. ؟ و يجيب الفتى بأنه أقبل من الجنة، و إنها لشبيهة بما أنزل على «محمد» في القرآن، و يستمع الآخرون الذين لم يؤذن لهم في دخول هذه الحديقة إلى هذا الحديث، فيتحرقون شوقا إلى الدخول فيها و التمتع بما بها ... !!»

«فإذا شاء «الشيخ» أن يقتل أى أمير من الأمراء فما عليه إلا أن يقول لواحد من هؤلاء الشبان: «إذهب و اقتل فلانا؛ و متى عدت فسيأخذك جماعة من ملائكتى إلى الجنة، أما إذا مت فسأبعث إليك بهم ليحملوك إليها» . و كانوا يصدقونه فيما يقول، و من أجل ذلك فقد كانوا يلقون بأنفسهم في أشد المخاطر و أكثرها تهلكة لكى ينفذوا جميع أوامره و لكى يعودوا بعد ذلك إلى الجنة التى تتحرق إليها أنفسهم، و استطاع الشيخ بذلك أن يجعل رجاله يقتلون أى شخص يريدون التخلص منه؛ و استطاع أيضا بواسطة الرعب الذى ينزله في أنفس الأمراء أن يجعلهم جميعا يدفعون له الجزية عن طيب خاطر حتى يكون معهم في سلام و وئام».

و يبدو من هذا النص أن الفدائيين كانوا يختارون وفقا لما يبدونه من طاعة عمياء في تنفيذ أوامر شيخهم، و كانوا يمتازون أيضا بصفات الشجاعة و الصلابة، و لا يطلب إليهم أن يتفقهوا في تعاليم المذهب كما يفعل غيرهم من أصحاب المراتب العالية. و يصور ذلك كله القطعة الآتية التى رواها لنا «فراپيپينوا» و «مارينو سانوتو» «1» . حيث قالا:

«فى فترة من فترات الهدنة ذهب هنرى (ملك بيت المقدس) لزيارة الشيخ في الشام، فخرجا ذات يوم للنزهة فرأيا في مسيرهما شبانا قد ارتدوا الملابس البيضاء و جلسوا فوق قمة عالية. فالتفت الشيخ إلى هنرى و سأله عما إذا كان لديه شبان يمتازون بالطاعة العمياء مثل هؤلاء الشبان و لم ينتظر جوابه بل أومأ إلى اثنين من هؤلاء الفتيان بإشارة خاصة فقفزا إليه من قمة القلعة و لقيا حتفهما في التو و الساعة .. !!» .

و رغم أن الفدائيين لم يكونوا يتفقهون في التعاليم الخفية التى تضمنها مذهبهم الدينى، إلا أنهم كانوا على أتم تدريب في استعمال الأسلحة و وسائل القتال، و في تجشم المصاعب و القدرة على الصبر و الاحتمال، و في الفنن في أساليب التنكر و التخفى و الاستتار، بل لقد أظهر ما في بعض المناسبات قدرتهم الفائقه في التحدث باللغات

(1) بالحروف الرومانية هكذا: Fra Pipino and Mariuo Santo

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت