فهرس الكتاب
و قد استتبعت هذه الاغتيالات بالضرورة سلسلة من سلاسل الأخذ بالثأر، قام بها أهل السنة، فنقرأ في كتب التاريخ عن «اضطهاد الملاحدة و المفكرين الأحرار» في مدينة نيسابور في سنة 490 ه- 1096 م. ثم عن «مذبحة الباطنية» التى أمر بها «بركيارق» في سنة 495 ه- 1111 م، و عن صلب الوزير «سعد الملك» و أربعة من الباطنية، و عن الزعيم الأثيم «ابن عطاش» و بعض أتباعه في سنة 500 ه- 1106 م. و عن المذبحة التى قتل فيها سبعمائة من الباطنية في مدينة «آمد» في سنة 518 ه- 1124 م؛ ثم عن مذبحة أخرى أكبر و أهم و هى المذبحة التى أمر بها «سنجر» في سنة 521 ه- 1127 م لينتقم بها لمقتل وزيره «معين الملك» ، ثم عن مقتل «عباس الرازى» في سنة 541 ه- 1146 م و كان من ألد أعدائهم، و اعتاد أن يبنى الأهرامات من جماجمهم.
و قد أشرنا فيما سبق، إلى أن الحروب الأهلية التى كثرت في الفترة الأولى من هذا العصر قد ساعدت «الحشاشين» كثيرا على تثبيت أقدامهم و تقوية نفوذهم، و لولاها لما استطاعوا أن يصلوا إلى ذلك بأية طريقة من الطرق، و قد اتهم «بركيارق» بالعطف عليهم، أو على الأقل بالتسامح الشديد معهم، لقاء أن يمدوه بمعونتهم أو يقفوا موقف المحايد منه، و يروى «ابن الأثير» في أخبار سنة 494 ه- 1100 م أنه عندما أسر «مؤيد الملك بن نظام الملك» سبه «بركيارق» لانتسابه إلى مذهب الباطنية ثم قتله بيده «1» . و في نفس السنة سار «بركيارق» لمحاربة أخويه «سنجر» و «محمد» عند بغداد، فلما تلاقى الجيشان المتحاربان بحذاء دجلة، أخذ أعداؤه يشنعون عليه بميله إلى الباطنية و يكبرون عليه و يقولون: «يا باطنية .. !!» و ربما كان المقصود من المذبحة التى أمر بإجرائها على الباطنية في هذه السنة، هو أن يزيل من عقول رعاياه هذه الفكرة الخطيرة التى تعلقت به و التى كانت كافية لقتله أو عزله كما حدث تماما ل «أحمد خان» حاكم سمرقند، و «إيرانشاه» أمير كرمان السلجوقى، فإنهما مع جماعة آخرين من الوزراء و رجال السياسة مثل «مجد
(1) يروى «راحة الصدور» هذه الحادثة بشكل آخر. انظر المقال المنشور في «مجلة الجمعية الملكية الأسيوية» سنة 1902 ص 603 - 604.