-و هل يمكن لفرد أن يعلم كيف أن هذا الفلك العجوز الأحدب مولع بإيذاء العلماء ... !!
كسى چه داند كين كوزپشت مينارنگ ... چگونه مولع آزار مردم داناست
و على هذا فقد كان الأنورى «طالب علم» باستعداده و مواهبه، و شاعرا بصناعته و مهنته، فتوزعت نفسه بين ما يمليه عليه استعداده و ما تقتضيه منه صناعته.
و لم يستطع أن يقنع بنصيب العالم من الفقر، أو أن يهدأ إلى النفاق الذى تضطره إليه حياة القصور و الملوك. و تحقق فيما بينه و بين نفسه مما تجلبه عليه أقواله من تعريض وزراية فازدرى نفسه و طريقة حياته؛ و تاق إلى أن يعيش كما يعيش «ابن سينا» و لكنه اضطر اضطرارا إلى أن يعيش حياة مشابهة لحياة «أبى نواس» .
و قد قال إنه من الواجب على الشاعر ألا يقول الشعر بعد الخمسين (ص 725) و لكنه هو نفسه ظل يقرض الشعر أربعين سنة على الأقل؛ فقد ذكر في إحدى قصائده (ص 636) إنه قالها في سنة 540 ه (1145 - 1146 م) ثم ظل يقول الشعر بعد خيبته المعروفة في إصدار الحكم الذى استوحاه من اجتماع الكواكب في سنة 581 ه (1185 - 1186 م) . و لكنه على ما يظهر نجح في نهاية أيامه عند ما ثار عليه أهل «بلخ» (دون جريرة ارتكبها) فى تطليق حياة القصور و ترك خدمة الملوك و الأمراء، و العودة إلى حياة العلم و العزلة و الاعتكاف، و هى الحياة التى طالما منى نفسه بها و أحبها.
و هناك بعض القصائد التى تقوم دليلا على صحة هذا القول و خاصة المقطوعة التى نشرتها مع ترجمتها الإنجليزية (ص 8 - 10) فى مقالتى عن «حياة شعراء الفرس المذكورين في تاريخ گزيده» و هى المقالة التى نشرتها في «مجلة الجمعية الأسوية الملكية» سنة 1900 - 1901 م؛ فهو يذكر في هذه المقطوعة (فى شى ء من الإخلاص) مقدار الهدوء و الراحة اللذين ظفر بهما في كوخه المتواضع حيث لا زاد له إلا الخبر الجاف و قليل من الأدام، و حيث لا كأس له و لا مطرب إلا المحابر و الأقلام ... !!
و هو يردد هذا المعنى في موضع آخر (ص 733 من طبعة لكنو سنة 1880 م) .