الصفحة 580 من 773

و أحرقوا البلدان و القرى، و أحالوا الديار العامرة إلى مفازات مقفرة؛ و لم يكن يحفزهم على ذلك كله رغبة في ثأر أو حب لانتقام، فقلما كانوا يعنون بمعرفة أسماء ضحاياهم الكثيرة، و قلما كانوا يهتمون بالكشف عن هويتهم أو الوقوف على شخصيتهم.

و لربما ظن ظان أن التاريخ تغالى في وصف مآسيهم و فظائعهم، و لكن جميع المراجع التى دونت عنهم في بلاد مختلفة، تتفق تمام الإتفاق على ما امتازوا به من غلظة و عنف. و كانت عادتهم أن يسترقوا البقية الباقية من أهل البلاد التى يفتحونها و أن يعذبوهم أشد العذاب، بحيث كان من ينجو برأسه من صيوفهم لا يستطيع أن ينجو بنفسه من عسفهم و ظلمهم. و كانت حكومتهم تعمل على نشر الفساد فتقصى كل من عرف بالشرف و النبل، و تقرب كل من اشتهر بالضعة و الخسة، و تجزيهم على طاعتهم الذليلة و على خضوعهم لسادتهم من ذوى القلوب الغليظة بكل ما يتمنون من مال أوقوه أو سلطة، يستطيعون بها التعسف مع ذوى قرباهم و أبناء جلدتهم. و قد أصبح تاريخ المغول، بما انفرد به من وحشية و عنجهية، سجلا لكثير من حوادث الفزع و الرعب، و لكن دراسته على الرغم من ذلك واجبة على كل من يريد تفهم الحوادث الهامة التى وقعت في القرنين الثالث عشر و الرابع عشر. خاصة و أن تاريخهم قد اتصل بتاريخ جملة من الممالك و الامبراطوريات .. !!»

و ربما اقتصرت فضائل المغول على مزاياهم الحربية، فقد كانوا يمتازون بالنظام و الخضوع و طاعة الرؤساء، و كانت الترقية عندهم قاصرة على من يكون جديرا بها لكفاية أو دراية؛ و كان الفاشل في أداء الواجب أو الخارج على النظام أو العاجز عن القيام بما و كل إليه، يعاقب بالموت هو و زوجه و أولاده .. !!

و إذا غضب امبراطور المغول لأمر ارتكبه أكبر قواده، فإنه كان يأمر بعقابه عقابا علنيا أمام سائر جنده، و ربما و كل أمر عقابه إلى رسول بسيط من رسله .. !!

و كان المغول يسترخصون حياة الناس، و لكنهم كانوا يعنون بحياة المغولى أشد العناية، فلا يلجأون إلى الحرب و القراع إلا إذا أعيتهم الحيلة و لم تنفعهم الوقيعة و الخداع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت