و كان الخليفة العباسى قد بادر بإرسال «شرف الدين عبد اللّه بن الجوزى» إلى «هولاگو خان» في همدان، و زوده برسالة إليه، و لكن هذا القائد المغولى اعتبر رسالة الخليفة غير مرضية و غير قاطعة، فأخذ يوجه الجزء الأساسى من جيشه إلى بغداد ليحيط بها من ناحية الشرق، و أمر جيشا آخر بقيادة «باجو نويان» أن يتحرك من الشمال عن طريق تكريت بالقرب من الموصل، و أن يلتف حول المدينة من ناحية الغرب. و كان قوام الجيش الأول كما يقول ابن الطقطقى «1» يزيد على ثلاثين ألف محارب، بينما يقول مؤلف كتاب «طبقات ناصرى» «2» إن قوام الجيش الثانى كان يبلغ ثمانين ألف جندى «3» ، و أن جيش الخليفة في بغداد لم يكن يزيد على عشرين ألف مقاتل.
[تلاقي جيوش المغول مع جيوش الخليفة في تكريت]
و تلاقت جيوش المغول مع جيوش الخليفة في تكريت، و استطاع جند الخليفة أن يحطموا الجسر القائم على «دجلة» و كان القائد المغولى «باجو نويان» يريد العبور بواسطته، و لكن انتصارهم هذا كان قصير الأمد و ما لبث المغول أن اندفعوا إلى «دجيل» و «الإسحاقى» و نهر الملك و نهر عيسى و أماكن أخرى كثيرة بالقرب من بغداد. و استولى الفزع على سكان هذه البلاد فأخذوا يفرون أمام المغول لائذين بعاصمتهم الكبيرة بغداد. و استغل ملاحو القوارب حالة الفزع هذه، فأخذوا ينقلون الشخص من شاطى إلى آخر لقاء أجر كبير أو لقاء سوار ذهبى أو بعض الأمتعة الثمينة الغالية كما حدثنا بذلك صاحب كتاب الفخرى.
[تلاقي الجيوش المرة الثانية بالقرب من دجيل]
ثم تلاقت جيوش المغول و جيوش الخليفة للمرة الثانية بالقرب من دجيل في يوم 11 يناير سنة 1258 م- 656 ه و تمكن جيش الخليفة بقيادة «مجاهد الدين ايبك» الملقب بالدويدار الصغير، و «الملك عز الدين بن فتح الدين» من إحراز نصر صغير رغم قلة الجند الذين كانوا تحت قيادتهما، و لكن المغول انتظروا إلى الليل و استعانوا بالمهندسين الصينيين الذين كانوا في رفقتهم، ثم غمروا معسكر المسلمين بالماء
(1) أنظر ص 300 من كتاب الفخرى طبع القاهرة سنة 1317 ه.
(2) أنظر ص 426 من هذا الكتاب طبع ناساو ليز Nassau Lees .
(3) ربما بالغ المؤلف في هذا التقدير.