فهرس الكتاب
(ج) الفترة الثالثة: فترة الاستقرار و التأليف: و قد كانت عودة السعدى إلى «شيراز» و هى العودة التى أشار إليها في آخر الأبيات السابقة، في سنة 654 ه- 1256 م و تعتبر هذه السنة بداية الفترة الثالثة و الأخيرة من حياته، و هى الفترة التى استوعبت بوجه خاص نشاطه الأدبى برمته. فبعد سنة واحدة من عودته أى في سنة 655 ه- 1257 م استطاع أن ينشر منظومته المثنوية «بوستان» فلما انقضت سنة أخرى بعد ذلك نشر ال «گلستان» في صورة مجموعة من الحكايات، استقاها من ملاحظاته المختزنة و تجاربه المكتنزة، و أفاض عليها مثلا أخلاقية و حكما عملية؛ و قد سطرها جميعا في أسلوب منثور يختلط به كثير من الأبيات المنظومة. و ال «بوستان» و ال «گلستان» كتابان مشهوران تماما. و قد ترجما إلى سائر اللغات بحيث لا أجد ضرورة تضطرنى إلى الإفاضة في الحديث عنهما في هذا المقام «1» .
أسفار السعدى:
أشرنا فيما سبق إلى أن أسفار «السعدى» كانت واسعة و أنه استطاع خلالها زيارة «بلخ» و «غزنة» و «الپنجاب» و «سومنات» و «كجرات» و «اليمن» و «الحجاز» و أجزاء أخرى من «بلاد العرب» و «الحبشة» و «سوريا» و على الخصوص مدينتى «دمشق» و «بعلبك» و «شمال أفريقيا» و «آسيا الصغرى» و قد قام بهذه الرحلات في زى الدراويش، و سلك جميع الطرق و السبل، و اختلط بكافة الناس على سائر أنواعهم. و من خلال كتاباته و خاصة ال «گلستان» نرى «السعدى» أحيانا و قد سار متعثرا في أثر قافلة الحجاج مخترقا صحراوات بلاد العرب القائظة؛ و أحيانا نراه يتندر مع صبيان «كاشغر» بفكاهات نحوية لها طابعها الفنى الدقيق؛ و أحيانا أخرى يقع أسيرا في أيدى الفرنج و يحكم عليه بالأشغال الشاقة مع جماعة من اليهود في مدينة «طرابلس» ، و أحيانا أخرى نجده مشغولا بالكشف عن سر ضم هندى عجيب في معبد «سومنات» ، فإذا اكتشفه حارس هذا الصنم و هو مستغرق في الفحص و التدقيق لا يجد السعدى بدا من قتل هذا الحارس حتى
(1) تحدث «إتيه» عنهما باستفاضة في مقاله المذكور آنفا أنظر ص 295 - 296