الصفحة 129 من 374

اهتمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - بمَن يخلف إبراهيم النخعي - رضي الله عنه - بعد أن برع في علم الكلام، روى العُقيلي أنه: (( لما مات إبراهيم اجتمع خمسة من أهل الكوفة فيهم أبو حنيفة - رضي الله عنه -، فجمعوا أربعين ألف درهم وجاؤوا إلى الحكم بن عتيبة - رضي الله عنه - فقالوا: إنا قد جمعنا أربعين ألف درهم نأتيك بها وتكون رئيسنا في الإرجاء فأبرى عليهما الحكم، فأتوا حماد بن أبي سليمان - رضي الله عنه - فقالوا له فأجابهم وأخذ الأربعين ألف درهم ) ).

معنى الإرجاء:

(( والإرجاء(1) هنا هو محض السنة (2)

(1) ومن أراد الوقوف على حقيقة الإرجاء والمذاهب فيه ومذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - منها، فليرجع إلى الرفع والتكميل ص352-388، وغيره من كتب العقائد.

(2) قال الإمام الكشميري في فيض الباري شرح صحيح البخاري 1: 53-54: مذهب أهل السنة والجماعة أن الأعمال أيضًا لا بُدَّ منها، لكن تاركها مفسّق لا مكفّر، فلم يشدِّدوا فيها كالخوارج والمعتزلة، ولم يُهوِّنوا أمرَها كالمرجئة.

ثم هؤلاء افترقوا فرقتين، فأكثر المحدِّثين إلى أن الإيمان مركب من الأعمال، وإمامنا الأعظم - رضي الله عنه - وأكثر الفقهاء والمتكلِّمين إلى أنَّ الأعمال غير داخلة في الإيمان مع اتفاقهم جميعًا على أن فاقد التصديق كافر، وفاقد العمل فاسق، فلم يبق الخلاف إلا في التعبير، فإن السلف وإن جعلوا الأعمال أجزاءً، لكن لا بحيث ينعدم الكل بانعدامها، بل يبقى الإيمان مع انتفائها.

وإمامنا - رضي الله عنه - وإن لم يجعل الأعمال جزءًا، لكنه اهتمَّ بها، وحضَّ عليها، وجعلَها أسبابً ساريةً في نماء الإيمان، فلم يهدرها هَدْرَ المرجئة، إلا أنّ تعبير المحدِّثين القائلين بجزئية الأعمال لمَّا كان أبعدَ من المرجئة المنكرين جزئية الأعمال، بخلاف تعبير إمامنا الأعظم - رضي الله عنه - فإنه كان أقرب إليهم من حيث نفي جزئية الأعمال: رمي الحنفيةُ بالإرجاء، وهذا كما ترى جَوْر علينا، فالله المستعان.

ولو كان الاشتراك مع المرجئة بوجهٍ من الوجوه التعبيريّة كافيًا لنسبة الإرجاء إلينا، لزمَ نسبة الاعتزال إلى المحدِّثين، فإن المعتزلة قائلون بجزئية الأعمال أيضًا كالمحدثين، ولكن حاشاهم من الاعتزال، وعفا الله عمَّن تعصَّب ونَسَب إلينا الإرجاء، فإن الدين كلَّه نصح، لا مُراماةٌ ومنابذةٌ بالألقاب! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت