فهرس الكتاب
، ومن عادى ذلك لا بد من أن يقع في مذهب الخوارج أو المعتزلة شاعرًا أو غير شاعر.
وذلك أنه كان في زمن أبي حنيفة وبعده أناس صالحون يعتقدون أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ويرمون بالإرجاء من يرى أن الإيمان هو العَقْدُ والكلمة، مع أنه الحق الصراح بالنظر إلى حجج الشرع، قال - جل جلاله -: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ (( 1) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره) (2) .
وهؤلاء الصالحون باعتقادهم ذلك الاعتقاد أصبحوا على موافقة المعتزلة أو الخوارج حتمًا إن كانوا يعدون خلاف اعتقادهم هذا بدعة وضلالة؛ لأن الإخلال بعمل من الأعمال ـ وهو ركن الإيمان ـ يكون إخلالًا بالإيمان، فيكون من أخلّ بعمل خارجًا من الإيمان، إما داخلًا في الكفر كما يقوله الخوارج، وإما غير داخل فيه بل في منْزلة بين المنْزلتين: الكفر والإيمان كما هو مذهب المعتزلة.
وهم من أشد الناس تبرؤًا من هذين الفريقين، فإذا تبرؤوا أيضًا مما كان عليه أبو حنيفة وأصحابه وباقي أئمة هذا الشأن، يبقى كلامهم متهافتًا غير مفهوم.
وأما إذا عدُّوا العمل من كمال الإيمان فقط، فلا يبقى وجه للتنابز والتنابذ…
وأما الإرجاء الذي يعدُّ بدعة فهو قول من يقول: لا تضرّ مع الإيمان معصية؛ وأصحابنا أبرياء من مثل هذا القول براءة الذئب من دم يوسف - عليه السلام -، ولولا مذهب أبي حنيفة وأصحابه في هذه المسألة للزم إكفار جماهير المسلمين غير المعصومين؛ لإخلالهم بعمل من الأعمال في وقت من الأوقات، وفي ذلك الطامة الكبرى )) (3) .
(1) الحجرات: من الآية14.
(2) في صحيح مسلم 1: 39، والمسند المستخرج 1: 99، وغيرهما.
(3) ينظر: التأنيب ص75-76، وغيره.