فهرس الكتاب
يستفاد من هذا الكلام ما يلي:
التزام أبي حنيفة - رضي الله عنه - طريقة الصحابة في الأخذ من كتاب الله ثم سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
التزامه - رضي الله عنه - بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم -.
التزامه - رضي الله عنه - بأحد أقوال الصحابة - رضي الله عنهم - إذا اختلفوا؛ لأن الحقّ لا يتجاوز أقوالهم، ويكون هذا بمثابة الإجماع على أقوال في المسألة فلا يجوز تجاوزها إلى غيرها كما هو مبسوط في محلّه.
الاجتهاد مع التابعين؛ لأن حاله كحالهم في التابعيّة.
من قواعد الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه:
أولًا: الاستحسان:
اشتهر عن الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - أخذه بالاستحسان (1)
(1) قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - في مقدمة نصب الراية ص291-292: ظن أناس ممن لم يمارس العلم، ولم يؤت الفهم، أن الاستحسان عند الحنفية هو الحكم بما يشتهيه الإنسان، ويهواه ويلذه، حتى فسره ابن حزم في أحكامه بأنه ما اشتهته النفس ووافقتها، خطأً أو صوابًا !!
لكن لا يقول بمثل هذا الاستحسان فقيه من الفقهاء، فلو كان هذا مراد الحنفية بالاستحسان، لكان للمخالفين ملء الحق، في تقريعهم والردّ عليهم، إلا أن المخالفين ساءت ظنونهم، وطاشت أحلامهم، فوجَّهوا سهامًا إليهم، ترتد إلى أنفسهم، وذلك لتقاصر أفهامهم عن إدراك مرامهم، ودقة مدرك هذا البحث في حد ذاته.
وليس بين القائلين بالقياس من لا يستحسن بالمعنى الذي يريده الحنفية، وهذا الموضع لا يتسع لذكر نماذج من مذاهب الفقهاء، في الأخذ بالاستحسان، و"إبطال الاستحسان"ما هو إلا سبق قلم من الإمام الشافعي رضي الله عنه، فلو صحت حججه في إبطال الاستحسان، لقضت على القياس الذي هو مذهبه، قبل أن يقضي على الاستحسان.
ومن الحكايات الطريفة في هذا الباب، ما يروى عن إبراهيم بن جابر، أنه لما سأله أحد كبار القضاة في عهد المتقي لله العباسي، عن سبب انتقاله من مذهب الشافعي إلى مذهب أهل الظاهر، جاوبه قائلًا:"إني قرأت إبطال الاستحسان للشافعي، فرأيته صحيحًا في معناه، إلا أن جميع ما احتج به في إبطال الاستحسان هو بعينه يبطل القياس، فصح به عندي بطلانه"، كأنه لم يرد أن يبقى في مذهب يهدُّ بعضه بعضًا، فانتقل إلى مذهب يبطلهما معًا!!
لكن القياس والاستحسان كلاهما بخير، لم يبطل واحد منهما بالمعنى الذي يريده القائلون بهما، بل الخلاف بين أهل القياس في الاستحسان، لفظي بحت.