الصفحة 14 من 374

معلوم أن المسلمين في هذا العصر يعيشون في ذلّة وهوان انعكست على مناحي حياتهم بما فيها الجانب الفكري عند علمائهم، فضعفت النفوس وفقدت عزّتها بالإسلام، ورأت كلّ ما لدى أعدائها حقّ وصواب، فتسابقت لتقليده ومتابعته، والدين بأحكامه المعروفة الثابتة ينكر على أهله مسايرة غيرهم ولا يرضى إلا بالشخصية المستقلة له، فسعى الساعون لتحقيق مآربهم ومقاصدهم في نبذ أحكام الشرع القويم بإلصاق الشبه والفهم الخاطئة لهذا الدين؛ ليتفلتوا من أحكام الإسلام، ومما ذكروا:

الأول: أن الفقه آراء لبعض العلماء ولا يعتبر الخروج عليه خروجًا على الشريعة؛ لذلك أجازوا لأنفسهم الخروج عن الأحكام الشرعية بحجّة الاختلاف أو عدم وجود نصّ جازم أو غير ذلك.

وهذه مغالطة عظيمة يجاب عنها بما يلي:

أن دور الفقيه لا يتجاوز استخراج واستنباط وبيان الأحكام من الكتاب والسنة بفهمه القويم، قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (1) : (( أحكام الشرع هي ما فهمه الصحابة والتابعون وتابعوهم من كتاب الله وسنة رسول - صلى الله عليه وسلم - على موجب اللسان العربي المبين، وعمل الفقهاء إنما هو الفهم من الكتاب والسنة، وليس لأحد سوى صاحب الشرع دخل في التشريع مطلقًا، ومن عدّ الفقهاء كمشرعين وجعلهم أصحاب شأن في التشريع فقد جهل الشرع والفقه في آن واحد، وفتح من جهله باب التقول لأعداء الدين.

وأما المتأخرون من الفقهاء فليس لهم إلا أن يتكلموا في نوازل جديدة لا أن يبدوا آراء في الشرع على خلاف ما فهمه من النصوص رجال الصدر الأول الذين هم أهل اللسان، المطلعون على لغة التخاطب بين الصحابة قبل أن يعتريها تغيير وتحوير، والمتلقون للعلم عن الذي شهدوا الوحي، فما فهموه من الشرع فهو المفهوم، وما أبعدوه عن أن يكون دليلًا بعيد عن أن يتمسك به، وإنما الكلام فيما لم يتكلموا فيه أو اختلفوا في حكمه )) .

(1) في مقالته: (شرع الله في نظر المسلمين) من مقالاته ص184.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت