ولذلك كانت الأحكام التي هي أساس الدين سواء ما يتصل منها بالعقيدة أو الأمور العملية قد وردت في آيات محكمة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أراد أن تكون هذه الأمور ثابتة على مر العصور كأكثر أحكام المواريث, وأصول أحكام الأحوال الشخصية, وآيات الحدود والقصاص. أما المسائل القابلة للتطور فقد جاء القرآن الكريم في شأنها موضحًا الخطوط الرئيسة, وكانت محلًا لاختلاف الأنظار. واختلاف النظر ـ إذا لم يكن مبنيًا على الهوى والتشهي ـ فهو رحمة للأمة. ومع ذلك لو جاءت النصوص الشرعية كلها قطعية لقال قائلهم: هلا كان لنا مجال للاجتهاد حتى لا تجمد عقولنا , ونصبح أمام نصوص جامدة (1) .
وهذه الشبهة أثارها المصلحون للأزهر الحديث، وتبعهم من تبعهم (2) ، وحقيقتها التفلت من أحكام الشرع؛ إذ أن غالبها مبنيٌّ على الاجتهاد والنظر، ولله المشتكى.
الثاني: إن الفقه غير الدين، فإن خالفوا شيئًا من الأحكام الفقهية فإنهم لا يخالفون الدين.
ويتأتى الكلام في دحض الشبهة السابقة في ردّ هذه الفرية، وإنما خصصتها بالذكر لئلا يعلق بالذهن أنها مختلفة عنها، ولأضيف على ما سبق ما قاله الإمام الكوثري - رضي الله عنه: (3) (( أم أي صاح يستسيغ أن يفوه بأن الفقه غير الدين في كتاب الله، يغايره ويباينه مطلقًا مفهومًا وصدقًا وتحققًا؛ ليستبيح بذلك انتهاك حرمة الفقه في الدين مع أن الفقه ما هو إلا معرفة الدين فلا تتصوّر مغايرة علم الدين للدين ولا مخالفة العلم لمعلومه إلا عند مَن لا يميّز بين الأشخاص فضلًا عن المعاني بغفوته، ولا بين المقدم والمؤخر ببالغ غفلته… أم يمكن أن يرى عاقل تنافي الشيء والعلم به ليمكنه إنكار فقه الدين مطلقًا بدون إنكار الدين، وهذا مبدأ إليه المنتهى في السخف ) ).
(1) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 19.
(2) ينظر: مقالات الكوثري ص178-179، والموسوعة الفقهية المصرية 1: 13، وغيرهما.
(3) في مقالته الدين والفقه من مقالاته ص 178-179.