توسّع القول بالفقه التقديري والافتراضي لما سبق ذكره من تقعيد القواعد؛ إذ لا بدّ في تصحيحها من افتراض ما ينبني عليها من مسائل، إضافة للنضوج والتميّز الذي حصل للفقه في هذا العصر، حتى روي عن الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه وضع ثلاث وثمانين ألف مسألة، وروي عن الإمام الأوزاعي أنه وضع ستين ألف مسألة (1) .
ويروى أنه (( لما نزل قتادة - رضي الله عنه - الكوفة قام إليه أبو حنيفة - رضي الله عنه - فقال له: يا أبا الخطاب ما تقول في رجل غاب عن أهله أعوامًا فظنت امرأته أن زوجها مات، فتزوجت، ثم رجع زوجها الأول، ما تقول في صداقها؟ وكان قال لأصحابه الذين اجتمعوا إليه: لئن حدث بحديث ليكذبن، ولئن قال برأي نفسه ليخطئن، فقال قتادة - رضي الله عنه: ويحك أوقعت هذه المسألة؟ قال: لا، قال: فلم تسألني عما لم يقع؟ قال أبو حنيفة - رضي الله عنه: إنا نستعدّ للبلاء قبل نُزوله، فإذا ما وقع عرفنا الدخول فيه والخروج منه ) ) (2) .
قال العلامة أبو زهرة - رضي الله عنه - (3) : (( ونحن نرى أن أبا حنيفة - رضي الله عنه - لم يحدث الفقه التقديري، ولكنه نماه ووسعه وزاد فيه بما أكثر من التفريع والقياس… والحق أن تقرير المسائل غير الواقعة ما دامت ممكنة، ومما يقع بين الناس أمر لا بد منه لدارس الفقه، بل إن ذلك هو لب العلم وروحه، ومن وقت أن صار الفقه علمًا يتدارس بين المسلمين تحت ظل كتاب الله مستقيًا من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسائل الممكنة الوقوع تفرض، وتفرض لها أحكام، وبذلك دون الفقه، وحفظت آثار السابقين… وعندي أن الفرض أمر لا بُدَّ منه لنمو الفقه، واستنباط قواعده ووضع أصوله، ولكن في حدود الممكن القريب الوقوف لا المستحيل ) ).
(1) ينظر: منهج السلف في السؤال عن العلم ص49، وغيره.
(2) ينظر: أبو حنيفة - رضي الله عنه - لأبي زهرة ص232 عن تاريخ بغداد 13: 348.
(3) في أبي حنيفة - رضي الله عنه - ص233-235.