فلا يتصف بالجمود والتحجر، وإنما يراعي أحوال الناس ومعيشتهم في أحكامه إلا أن يكون فيه انتهاك لحرمات الله ومخالفة لصريح قرآنه وسنّة نبيّه - صلى الله عليه وسلم -، وتتجسد قابليته في البقاء في ابتناء بعض أحكامه على العرف، وفي وجود القياس وغيره من الأصول فيه التي تمكّنه من استحداث أحكام شرعية لكل ما يطرأ من أمور في حياة المسلمين، فلا نجد فيه عجزًا عن الوفاء بحاجات الناس سواء في العصور الماضية أو الحاضرة أو في الدولة المتحضّرة أو النامية أو في المدن أو الأرياف، فكلّ يستقي من ينبوعه الطيب.
الثبات في أحكامه:
إن الحرامَ ما حرّمه الله تعالى والحلال ما أحله سبحانه في أي زمان ومكان، والأحكام المتغيرة فيه هي المبنية على العرف، وهي لا تعدوا ما بينه الفقهاء من اختلاف النقود والأوزان من بلد إلى بلد، وكذا اختلاف البناء، وثبوت خيار الرؤية برؤية غرفة منه، وغيرها من الأحكام المفصلة في كتب الأشباه والنظائر، وليس في شيء منها عدّ عرف طائفة شرعًا مشروعًا.
أما تغيير كثير من الأحكام بناء على تغيّر المصلحة، ففيه ما فيه من الزيغ عن الدين؛ إذ فيه تقديم للمصلحة العقلية على المصلحة الشرعية وانتقاص لشريعة السماء؛ لأن المصلحة الشرعية لا سبيل لمعرفتها إلا بالشرع، والمصالح المرسلة المذكورة في كتب الأصول وكتب القواعد مما لا نص فيه فلا يتصوّر الأخذ بها عند مخالفتها للحجج الشرعية (1) .
التيسير ورفع الحرج:
(1) أول من فتح باب تقديم المصلحة على الشرع الطوفي الحنبلي، وتبعه من تبعه من المعاصرين اغترارًا بعقولهم، وافتقادًا لعزّة الإسلام والثقة فيه، ورد على هذه الدعاوي أجمل رد الإمام الكوثري - رضي الله عنه - في مقالاته ص186-188، 340-348، والدكتور البوطي في ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية ص202-216.