فهرس الكتاب
لذلك كان من الواجب إنْزال كل في منْزلته، وإعطاء كل ذي حقّ حقه، وأخذ كل علم من أهله، فأهل الحديث ليس من الإنصاف والتحقيق الرجوع إليهم في علم الفقه والعقيدة والتصوف، وإنما عليهم التعويل في علم الحديث والرجال وصحة الأحاديث وضعفها؛ لأنه العلم الذي سبروه وأجهدوا أنفسهم فيه، وما أروع ما روى الإمام المحدث الأعمش - رضي الله عنه - بعد أن سئل عن مسألة في مجلس وكان فيه أبو حنيفة - رضي الله عنه - فقال له الأعمش - رضي الله عنه: ما تقول فيها ؟ فقال أبو حنيفة - رضي الله عنه: كذا وكذا، فقال: من أين لك هذا؟ قال: أنت حدثتنا عن أبي صالح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكذا، وسرد عدّة أحاديث على هذا النمط، فقال الأعمش - رضي الله عنه: حَسبك، ما حدّثتك به في مئة يوم تحدّثني به في ساعة واحدة، ما علمت أنَّك تعمل بهذه الأحاديث، مَعشر الفقهاء، أنتم الأطباء، ونحن الصيادلة، وأنت يا أبا حنيفة - رضي الله عنه - أخذت بكلا الطرفين (1) .
وقال الإمام الخطابي - رضي الله عنه: (( رأيت أهل العلم في زماننا، قد حصروا في حزبين، وانقسموا إلى فرقتين: أَصحاب حديث وأثر، وأهل فقهِ ونَظَر، وكلُّ واحدةٍ منها لا تتميز عن أختها في الحاجةِ، ولا تستغني عنها في دركِ ما تنحوه من البغية والإرادة؛ لأنَّ الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بِمَنْزلة البناء الذي هو له الفرع، وكلُّ بِناءٍ لم يوضع على قاعدة وأساس، فهو منهار ، وكلُّ أساسٍ خلا عن بناء وعمارة ، فهو قفى وخراب… ) ) (2) .
(1) ينظر: الاجتهاد ص120، ومقدمة نصب الراية ص287، وغيرهما.
(2) ينظر: الإنصاف في أسباب الاختلاف ص64، وغيره.