الصفحة 224 من 374

فهاهنا وإن كان الراجح بناء الكعبة على قواعد إبراهيم - عليه السلام -، ولكنه لما كان الجانب الآخر وهو تركها على حالها جائزًا أيضًا وإن كان مرجوحًا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - اختار هذا الجانب المرجوح خوفًا من الفتنة وتشويش العامة.

حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه صلَّى أربعًا ـ في منى ـ فقيل له: عبت عثمان ثم صليت أربعًا قال: (( الخلاف شر ) ) (1) .

تبين من هذا أنه وإن كان الراجح عند ابن مسعود - رضي الله عنه - القصر، ولكنه أتم احترازًا عن الخلاف والشر مع كون الإتمام مرجوحًا عنده، ولكن الذي يظهر أنه كان يرى الإتمام جائزًا أيضًا.

وعلى كل حال ظهر من هذين الحديثين أن الجانب المرجوح إن كان جائزًاَ فاختياره أولى دفعًا للفتنة، فإن لم يكن هناك مساغ للعمل بذلك الجانب المرجوح، بل يلزمه منه ترك واجب أو ارتكاب محظور، ولا يدل عليه دليل سوى القياس ويوجد في الجانب الراجح حديث صحيح صريح، فحينئذ يجب العمل بالحديث من غير أيما تردد…

عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - قال: (أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وسمعته يقرأ: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ (( 2) ، قال: إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه) (3) .

وحاصل هذا الحديث أن أقوال أحبارهم كانت مخالفة لكتاب الله قطعًا ويقينًا، ولكنهم كانوا يؤثرون أقوالهم على كتاب الله فذمت الآية والحديث فعلهم.

(1) في سنن أبي داود 2: 199، وسنن البيهقي الكبير 3: 143، ومصنف عبد الرزاق 2: 516، وغيرها.

(2) التوبة: من الآية31.

(3) في جامع الترمذي 5: 278، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت