فهرس الكتاب
وقد جرى تعامل أكابر العلماء والمحققين على وفق هذا، فإنهم كلّما علموا أن قولهم أو قول غيرهم مخالف لأمر الله سبحانه وتعالى أو رسوله - صلى الله عليه وسلم - رجعوا عنه فورًا )) .
الثانية: إن الأئمة نهوا عن تقليدهم، قال الإمام المزني - رضي الله عنه - (1) : (( اختصرت هذا من علم الشافعي - رضي الله عنه - ومن معنى قوله؛ لأقرِّ به على مَن أراده مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليده غيره؛ لينظر فيه ويحتاط ) ).
فهذا وإن سُلِّمَ ثبوته بهذا العموم فإنه محمول على ما يلي:
إنه من باب التواضع، فمعلوم أن هذه مسائل ظنية يجتهد الفقيه فيها بقدر وسعه للوصول إلى الصواب، فمَن دعا غيره لتقليده في مثل هذا تكبَّر وتعاظم، وهذا ليس من أخلاق العلماء المخلصين، فكيف يكون خلق الأئمة - رضي الله عنهم -.
إنه من باب رفع همم طلاب العلم إلى معرفة أدلّة المسائل الفقهية وعدم الاعتماد على مجرد الأقوال فحسب؛ لحفظ هذا العلم العظيم، ولتطمئن النفوس لهذه الفروع بمعرفة دليلها، لثقة هؤلاء الأئمة بأن مسائلهم مأخوذة من الكتاب والسنة، وهذا معنى قول عصام بن يوسف بن ميمون: (( كنت في مأتم وقد اجتمع فيه أربعة من أصحاب أبي حنيفة - رضي الله عنه:زفر وأبو يوسف وعافية وآخر - رضي الله عنهم -، فأجمعوا على أنه لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا حتى يعلم من أين قلنا ) ) (2) .
(1) في مختصر المزني من الأم 8: 92.
(2) ينظر: الجواهر المضية 2: 528، وغيرها.