فهرس الكتاب
إن هذا النهي خاصّ بالمجتهدين، فإن مَن كملت أدوات الاجتهاد لديه لا ينبغي له أن يركن إلى غيره ليقلّده، وإنما الواجب عليه أن يعمل بما رجح عنده، قال العلامة أحمد ظفر التهانوي - رضي الله عنه - (1) : (( قوله: إن الشافعي - رضي الله عنه - نهى عن تقليده وعن تقليد غيره فمحمله هو المجتهد الذي يعرف الصحيح من السقيم كما يدلّ عليه قوله: لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه؛ لأن من لا يقدر على الاجتهاد كيف ينظر لدينه ويحتاط لنفسه؟ وإنما هو كحاطب ليل يظن الأفعى حطبًا فيأخذه فيلدغه ) ).
قال الإمام الزركشي (2) - رضي الله عنه: (( إنما نهوا المجتهد خاصّة عن تقليدهم, دون مَن لم يبلغ هذه الرتبة, قال القرافي: مذهب مالك وجمهور العلماء وجوب الاجتهاد, وإبطال التقليد؛ لقوله - جل جلاله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (( 3) ، واستثنى مالك أربع عشرة صورة للضرورة: وجوب التقليد على العوام, وتقليد القائف, إلى آخر ما ذكره )).
إنه لو كان التقليد منهيًا عنه كما يدّعون؛ لما أفتى الصحابة والتابعون والأئمة الأربعة وغيرهم من المفتين، بل لوجدناهم قالوا لمَن استفتاهم: اجتهد كما نجتهد، واعلم الحكم من الأدلة الشرعية ولا تسألنا، قال المحدث الفقيه أحمد ظفر التهانوي - رضي الله عنه - (4) : (( ومعلوم أنه لم يكن ذلك في قرن من القرون، بل كان ناس يستفتون وناس يفتون، فعلم منه أن مسلم التقليد متوارث من السلف، ومسلك الاجتهاد لغير المجتهد محدث ابتدعها الجهال الذي هم كحاطب ليل بظنهم غير الحجة حجة والأفعى حطبًا. والعجب أنهم يذمون التقليد ومع ذلك يدعون الناس إلى تقليدهم في ترك التقليد ) ).
(1) في مقدمات إعلاء السنن 20: 22.
(2) في البحر المحيط 8: 328.
(3) التغابن: من الآية16.
(4) في مقدمات إعلاء السنن 20: 22.