الصفحة 227 من 374

إن العامي مكلّف بالعمل بأحكام الشريعة, وقد يكون في الأدلة عليها خفاء يحوج إلى النظر والاجتهاد, وتكليف العوام رتبة الاجتهاد يؤدي إلى انقطاع الحرث والنسل, وتعطيل الحرف والصنائع, فيؤدي إلى الخراب، وقد أمر الله - جل جلاله - بسؤال العلماء في قوله تعالى: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (( 1) . (2)

إن هؤلاء الأئمة كانوا لا يعتبرون العامة أهلًا لأخذ الأحكام من الكتاب والسنة حتى لو تجرأ أحدهم على ذلك لم يعتد بفعله، ومما يوضح ذلك ما روي عن الإمام أبي يوسف - رضي الله عنه - أنه لم يعتبر اطّلاع العاميّ على الحديث شبهة كافية لدرء الحدّ عنه إذا أفطر في رمضان، قال الإمام المَرْغينانيّ - رضي الله عنه - (3) : (( اطَّلع العاميّ على حديث(أفطر الحاجم والمحجوم) (4) ، فأفطر فعن أبي يوسف - رضي الله عنه - وجوب الكفارة؛ لأن على العاميّ الاقتداء بالفقهاء؛ لعدم الاهتداء في حقّه إلى معرفة الأحاديث )) (5) .

ونختم هاتين الشبهتين بكلام للعلامة ظفر أحمد التهانوي (6) - رضي الله عنه - يصور فيه حال من يطلقون مثل هذه الدعاوي؛ إذ يقول: (( قد حدث في شرّ القرون فرقة زائعة يسبون الأئمة ويذمون التقليد ويدعون الناس إلى تركه مع أن جلَّ مطاعنهم ودلائلهم مبنية على التقليد لمن سبقهم؛ لأنهم يقولون: خالف أبو حنيفة في المسألة الفلانية الحديث الصحيح.

فإن قلت: كيف عرفت أنه حديث صحيح؟

يقولون: صححه الحافظ في (( الفتح ) )وصححه فلان وفلان.

(1) النحل: من الآية43.

(2) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 13: 161، وغيرها.

(3) في الهداية 2: 281-282.

(4) سبق تخريجه.

(5) أما إذا أفتاه فقيه بالفساد؛ لأن الفتوى دليل شرعي في حقه، ولو بلغه الحديث واعتمده فكذلك عند محمد - رضي الله عنه -؛ لأن قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا ينْزل عن قول المفتي. ينظر: الهداية 2: 281-282.

(6) في مقدمات إعلاء السنن 20: 7-8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت