فهرس الكتاب
ولا يعرفون أنه لما لم يجز لهم تقليد أبي حنيفة - رضي الله عنه -كيف جاز لهم مثل ابن حجر - رضي الله عنه -؟
ولما حرمتم التقليد، فكيف وجب على أبي حنيفة - رضي الله عنه - تقليد ابن حجر - رضي الله عنه - وأمثاله في تصحيح ما يصححون وتضعيف ما يضعفون؟
وكيف وجب عليه أن يفهم من الحديث على تقدير الصحة ما فهمه ابن حجر وغيره؟
فهؤلاء في الحقيقة أشد تقليدًا من المقلدين؛ لأن المقلدين إنما يوجبون التقليد على
غير المجتهد للمجتهد، وهؤلاء يوجبون على المجتهد تقليد أنفسهم وإن كان غير مجتهد، ثم هم يدعون الناس إلى ترك تقليد الأئمة المجتهدين ويلزمونهم تقليد أنفسهم في تصحيح ما يصححون وتضعيف ما يضعفون، وفهم ما يفهمون، والقول بما يقولون، وتحليل ما يحلون، وتحريم ما يحرمون تقليدًا لسلفهم، وسب مَن يسبون، ومدح من يمدحون، فما انتهى جهل هؤلاء وضلالتهم إلى أن تناقضت آراؤهم وأفعالهم؛ حيث يذمون شيئًا لغيرهم، ويختارون لأنفسهم أقبح منه، ويحرمون شيئًا على غيرهم ويوجبون عليهم أشنع منه، فلا يشك عاقل في جهلهم وضلالهم، ولكن لما كانت تشكيكاتهم وتلبيساتهم يغتر بها الذين لا يعلمون وتروج عليهم، رأينا كشف تلبيساتهم أحرى )) .
الأمر الرابع
حقيقة الاجتهاد
في هذا العصر
ولتوضيح ما صار عليه الاجتهاد ينبغي عرض الأمور التالية:
درجات التقليد.
طبقات المجتهدين.
قواعد للفقيه والمفتي.
أولًا: درجات التقليد:
الدرجة الأولى: تقليد العامي، وهو الذي ليس له معرفة بالقرآن والسنة، ولا تبحر في العلوم المتشعبة منهما، ويدخل فيهم الذين تخرجوا من المدارس الدينية أو كليات الشريعة ولم تحصل لهم ملكة في العلوم ولا اتفقت لهم الممارسة بها.